صرخة خريج جامعة الحياة من قلب عالم المصارف والمال
| علي البستكي
رحلة بدأت من منصات التداول التقليدية في غرف الخزينة المصرفية، إلى منصات التداول الاستثماري الإلكترونية في زمن التقنية الحديثة والمنصات الذكية. ومن مناصب عليا في مصارف محلية وخليجية كبرى، إلى خوض المخاطرة وتأسيس كيانات مالية مستقلة تخدم رؤى الأسواق الجديدة وتحاكي تحدياتها. لم تكن رحلة عادية، بل مسارًا متقلبًا، مليئًا بالرهانات والقرارات الثقيلة. اجتهدنا، تعبنا، أسّسنا، وواجهنا تقلبات الأسواق بكل جرأتها، حتى حينما انقلب السوق ضدّنا... لم نستسلم. تعلّمنا من كل موجة، من كل هبوط، ومن كل صعود مفاجئ لا يرحم المترددين. لم تعد الغاية أن أسبق السوق، بل أن أنقذ من يأتي بعدي. ولم تعد الأهداف شخصية... بل تحوّلت إلى نداء، ورسالة، وواجب. نداء أصرخ به من قلب التجربة، لا من رفوف الكتب. نعم للتعليم والتدريب والتجربة، بل وحتى حضور المؤتمرات والندوات... ولكن ليست مجرد خطوات لنيل شهادة تُعلّق على الجدار، بل أدوات لبناء وعيك المالي، وتطوير فكرك الاستثماري، خاصة في البدايات. أنت لا تحتاج إلى شهادة علمية لتثبت أنك تفهم السوق والأعمال المالية، بل تحتاج إلى مستشار أو تجربة عملية تقودك بخبرة في الأيام الأولى من مشروعك المالي، لتجنبك أخطاء باهظة لا ترحم في هذا المجال. التعليم الحقيقي هو الذي يبني لك مشروعًا... لا مجرد سيرة ذاتية. نعم، طرقنا الأبواب، نادينا عبر المنصات المالية، وفي المؤتمرات، وحتى من خلال الصحف اليومية. البداية الحقيقية ليست في السوق... بل في داخلك، في فهمك للنقود، في عاداتك المالية، في قراراتك تحت الضغط، في قدرتك على أن تقول “لا” حين يصرخ الطمع في داخلك “نعم”. علّموا أبناءكم كيف يفكرون ماليًّا، لا كيف ينفقون فقط. ازرعوا فيهم قيم الادخار، والتخطيط، والانضباط. فهذه المهارات لا تُكتسب في الجامعات... بل تُبنى بالتربية والتجربة.
هل تتذكرون بداية عام 2025؟ لقد صرخنا – نعم، حذّرنا، ورفعنا الصوت عبر المنصات والمؤتمرات والصحف... لكن من استمع؟ ومن صدّق؟ فقاعة مؤشرات الأسهم الأمريكية في بداية عام 2025... حين تجاوزت المؤشرات أرقامًا تاريخية دون دعم حقيقي من البيانات الاقتصادية، وارتفعت التقييمات إلى مستويات غير منطقية، حتى انفجرت الفقاعة فجأة، تاركة خلفها موجة تصحيح قاسية التهمت الأرباح الورقية بنسبة 20 %. الذهب بلغ 3488 دولارًا... وكان صعودًا جنونيًّا، حذرنا منه، وقلنا: لا تدخلوا عند الذروة. لكن الثقة الزائدة كانت أقوى من التحليل. النفط شهد ارتفاعات قوية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية... بنسبة 10 %. وأقولها بوضوح: نحن نعلم أن المجالات الاستثمارية متنوعة، والسيناريوهات مختلفة، وحتى الاستراتيجيات تُبنى على النظرة المستقبلية. منها ما يتميز بالنمو المستقر، ومنها ما يمنح عائدًا مرتفعًا لكنه مليء بالمخاطر، ومنها ما يُسمى بالمال الجريء الذي لا يُطرق إلا في أوقات معينة وبشروط دقيقة. لذا، ودائمًا نقول: أنت أعلم بملاءتك المالية... فالمشروع مشروعك، والقرار قرارك. ولكن المشورة لا تعني أن نقرر عنك... بل أن نفتح أمامك الرؤية، ونساعدك أن تختار بإدراك، لا بعاطفة. السوق يعطي دومًا فرصًا ثانية – لا تنتظر الخسارة كي تتعلّم – لا تُبالغ في تقدير قدراتك، ولا تستخف بتقلبات الأسواق. اعرف حدودك... واعمل بعقل، لا بعاطفة. راجع خطتك دائمًا، واطلب النصيحة ممن سبقك، لا ممن يصفق لك.
رسالتي الأخيرة، أقولها اليوم: تعلّم. تدرب. جرّب. ابنِ. استشر. وخالط الإيجابيين. هذه هي خطوات النجاح الحقيقي في عالم المال والاستثمار – ليس بالأماني، ولا بالشهادات فقط، بل بالممارسة والتجربة والتوجيه الصحيح.
خبير مصرفي ومستشار اقتصادي