سنوات عجاف.. خرائط تبتلع وعالم جديد يولد

| علوي الموسوي

في عالمٍ تتقلص فيه المسافات وتتمدد فيه النيران، لم تعد واشنطن تمسك بمقود النظام العالمي كما كانت تفعل بثقة بعد الحرب الباردة. يبدو أن عرش القطب الواحد العالمي يتصدّع، والعرق البارد يتسلل إلى جبين الإمبراطورية الأميركية. والأصابع التي تمسك بالخيوط العالمية أصبحت أكثر ارتعاشًا من أي وقت مضى. أميركا الإمبراطورية التي انفردت بالعالم منذ انهيار جدار برلين، بدأ تاجها القطب الأوحد يهتز من فوق رأسها، والصين تنمو بخطى ثابتة في صمت، وروسيا تنفث الرماد من تحت جليدها السوفيتي القديم، والعالم العربي وإن بدا مشغولا بجراحه، إلا أنه ما عاد خارج اللعبة. العالم يتجه إلى خريطة جديدة، لا تُرسم بالحبر وحده، بل بالدخان والركام. والسنوات الخمس المقبلة ستشهد حروبًا قد لا تُعلن، لكنها ستُخاض على الأرض والاقتصاد والهوية. ستبتلع الفوضى خرائط، وستتمزق تحالفات، فقط كي يعرف العالم من سيكون سيد المرحلة المقبل، هل تبقى أميركا مسيطرة على القطب، أم يشاركها الصينيون في ذلك؟ أو يولد سيناريو جديد؟! وفي قلب هذا الزلزال، لا تقف دول الخليج على هامش النار، بل وسط مركزها. المنطقة لم تعد على “خط التماس”، بل صارت المسرح ذاته الذي تتطاير منه الشرارات. ولذلك على دولنا الخليجية أن تتحرك لتشكيل تكتل حقيقي متماسك. نحن في الخليج العربي، أمام لحظة تاريخية لا تقبل التردد. بات ضروريًا أن نعلن كدول ذات سيادة قيام اتحاد كونفدرالي يحفظ حقوق كل دولة، ويجمعنا تحت مظلة أمنية وسياسية واقتصادية واحدة، تجعلنا أكثر متانة في مواجهة تداعيات المواجهات الكبرى في المنطقة والعالم؛ لأن الرؤية الواحدة والموقف الموحد هما الدرعان الحافظان. لقد بدأ كل شيء مع روسيا وأوكرانيا، ودونالد ترامب، رجل الأعمال الذي دخل السياسة كما يدخل مقاول إلى مبنى محترق، لا لإطفائه، بل ليعيد بناءه على مقاس أطماعه. لم يكن الأمر مجرّد شطحة خطابية حين أبدى رغبته في “ضمّ كندا” إلى الولايات المتحدة.  كندا بكل اتساعها، بطبيعتها، بثرواتها، بتمايزها، كانت في عقل ترامب مجرد أرض باردة تحتاج إلى صفقة ساخنة. لكم أن تتصوروا، أكبر دولة في نصف الكرة الشمالي تُختزل في عقل إمبراطوري مهووس بالضم والتوسيع. وسوريا؟ تلك الدولة التي تحوّلت إلى رقعة شطرنج يعبث بها الكبار، يوشك تقسيمها أن يتحول من احتمالات إلى أمر واقع. والعراق ليس ببعيد، ولبنان على فوهة بركان سياسي مقبل، إن لم يكن أمنيًا. العالم دخل فعليًا في نفق الصراع، ولم نعد أمام احتمالات، بل أمام بدايات لواقع يتشكل بالنار والضغط والتهديد. القطبية المتعددة لن تولد بهدوء، بل ستكون نتيجة لصراع مرير، إما أن يستمر دون غالب وتقتنع أميركا بدخول شريك معها، أو انتصار طرف وبأي نتيجة سيرتسم العالم الجديد.

وفي خضم هذا الاشتباك بين الكبار، ستتحرك قوى إقليمية بدوافع شتى: طموحات قديمة، نزاعات مؤجلة، جغرافيا غابرة تبحث عن استعادة، أو ببساطة مطامع اقتصادية لا تنتظر.  ومع انشغال “شرطي العالم” في حروبه الكبرى، ستفلت الأطراف وتنفجر التوازنات. هنا، لا يُستبعد أن نرى خرائط تتغير، وحدودًا تُعاد، وأنظمة تنهار أو تتمدد. فالفراغ الذي تخلقه المواجهات الكبرى، لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تعبئه نيران جديدة، أشد خطورة مما سبق. وهناك دول في المنطقة تعتقد أن ثوب خارطتها أضيق من جسمها، والخطر لم يعد افتراضًا جيوسياسيًا، بل واقعًا يتسلل إلى دول أخرى، دول تقف الآن على خطوط صدع خفي، تنتظر فقط هزة واحدة لتتحطم.