حين يصبح الوفاء أقوى من الموت

| زهير توفيقي

‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬النجم‭ ‬البرتغالي‭ ‬ديوغو‭ ‬جوتا‭ ‬الحياة‭ ‬بهذه‭ ‬السرعة،‭ ‬ولا‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬المؤلمة‭. ‬حادث‭ ‬سير‭ ‬مروّع‭ ‬خطف‭ ‬روحه‭ ‬وروح‭ ‬شقيقه‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬ليترك‭ ‬خلفه‭ ‬حزنًا‭ ‬يعمّ‭ ‬الملاعب‭ ‬وأوساط‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬بل‭ ‬والقلوب‭ ‬التي‭ ‬أحبّته‭ ‬كلاعب‭ ‬وإنسان،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭ ‬“وما‭ ‬تدري‭ ‬نفس‭ ‬بأي‭ ‬أرض‭ ‬تموت”‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬إدارة‭ ‬نادي‭ ‬ليفربول‭ ‬الإنجليزي‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الفاجعة،‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُكتب‭ ‬عنه‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬له‭ ‬القبعة‭ ‬عاليًا،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الرياضة‭ ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬القيم‭ ‬والإنسانية‭ ‬والوفاء‭. ‬ففي‭ ‬زمن‭ ‬تحكمه‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬والاحتراف،‭ ‬فاجأتنا‭ ‬إدارة‭ ‬النادي‭ ‬بقرار‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬إنسانية‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬الجرح‭: ‬“صرف‭ ‬راتب‭ ‬جوتا‭ ‬الشهري‭ ‬كاملا،‭ ‬والذي‭ ‬يبلغ‭ ‬700‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭ ‬ومكافآته‭ ‬الأخرى‭ ‬لعائلته،‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬عقده‭ ‬الذي‭ ‬ينتهي‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭! ‬وكأنها‭ ‬تقول‭ ‬“غاب‭ ‬اللاعب،‭ ‬لكننا‭ ‬لن‭ ‬ننسى‭ ‬الإنسان”‭. ‬ذلك‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ملزمًا‭ ‬قانونيًّا،‭ ‬هو‭ ‬ترجمة‭ ‬حقيقية‭ ‬لروح‭ ‬القانون،‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬النصوص‭ ‬الجافة،‭ ‬وتنتصر‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭: ‬الوفاء،‭ ‬والتقدير،‭ ‬والإنصاف‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الصفات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الراقية‭ ‬والرائعة،‭ ‬وكأن‭ ‬إدارة‭ ‬النادي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬رسالة‭ ‬بأن‭ ‬“الدين‭ ‬معاملة”‭.‬

فكم‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬رياضية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬رياضية‭ ‬تكتفي‭ ‬بورقة‭ ‬نعي،‭ ‬أو‭ ‬دقيقة‭ ‬صمت،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬رسالة‭ ‬تعزية،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬تنفض‭ ‬يدها‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬القميص‭ ‬أو‭ ‬الاسم‭. ‬أما‭ ‬هنا،‭ ‬فقد‭ ‬رأينا‭ ‬ناديًا‭ ‬استثنائيًّا‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يُغلق‭ ‬الصفحة،‭ ‬ويُصرّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يُكمل‭ ‬القصة‭ ‬مع‭ ‬أسرة‭ ‬لاعبه‭ ‬الراحل،‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الالتزام‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬لا‭ ‬الالتزام‭ ‬المالي‭ ‬فقط ما‭ ‬فعله‭ ‬نادي‭ ‬ليفربول‭ ‬درس‭ ‬بليغ‭ ‬في‭ ‬الوفاء‭ ‬المؤسسي،‭ ‬ليكون‭ ‬مثالا‭ ‬يحتذى،‭ ‬فهو‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والمؤسسة‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قائمة‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬والأرباح،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالجميل،‭ ‬وحفظ‭ ‬المودة،‭ ‬والوقوف‭ ‬بجانب‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تخذلهم‭ ‬فيها‭ ‬الحياة‭.‬

لقد‭ ‬خسر‭ ‬النادي‭ ‬لاعبًا‭ ‬موهوبًا،‭ ‬لكنّه‭ ‬كسب‭ ‬احترام‭ ‬وتقدير‭ ‬العالم،‭ ‬حين‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وفيًّا‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬غاب،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المعنى‭ ‬الأسمى‭ ‬للإنسانية‭.‬

ولأن‭ ‬الوفاء‭ ‬لا‭ ‬يُورَّث،‭ ‬بل‭ ‬يُكتسب‭ ‬بالتربية‭ ‬والممارسة،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬نادي‭ ‬ليفربول‭ ‬دعوة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لكل‭ ‬مؤسسة،‭ ‬ولكل‭ ‬شاب‭ ‬وشابة،‭ ‬بأن‭ ‬يكونوا‭ ‬أوفياء‭ ‬في‭ ‬تعاملهم،‭ ‬نبلاء‭ ‬في‭ ‬مواقفهم،‭ ‬صادقين‭ ‬في‭ ‬التزاماتهم‭.‬

فما‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬حققه‭ ‬لنفسه،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬جميل،‭ ‬وذكرى‭ ‬لا‭ ‬تُنسى‭.‬

شخصيًّا‭ ‬أعتبر‭ ‬قرار‭ ‬إدارة‭ ‬نادي‭ ‬ليفربول‭ ‬درسًا‭ ‬ولا‭ ‬أروع،‭ ‬بل‭ ‬فلسفة‭ ‬رائعة‭ ‬في‭ ‬فنّ‭ ‬الإدارة،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تدرس‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬والمنتديات‭ ‬والدورات‭ ‬التدريبية‭ ‬في‭ ‬فنون‭ ‬الإدارة‭ ‬والقيادة‭. ‬فمن‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬المتواضعة‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬المقدر‭ ‬وغير‭ ‬المسبوق‭ ‬له‭ ‬انعكاسات‭ ‬إيجابية‭ ‬كثيرة‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬اللاعبين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الجهاز‭ ‬التدريبي‭ ‬والإداري‭ ‬وحتى‭ ‬الجماهير،‭ ‬لأنه‭ ‬كسب‭ ‬ولاءهم‭ ‬وانتماءهم‭ ‬وعشقهم‭ ‬لهذا‭ ‬النادي‭ ‬العريق‭ ‬بسبب‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الإنساني‭ ‬الرائع‭.‬

إن‭ ‬تطبيق‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬والمبادرات‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬تجاه‭ ‬موظفيها‭ ‬يخلق‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬جاذبة‭ ‬لهم‭ ‬ولعائلاتهم،‭ ‬حيث‭ ‬يشعرون‭ ‬بالأمان‭ ‬والفخر‭ ‬والاعتزاز،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬ستزيد‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والكفاءة‭ ‬التشغيلية‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬حتماً‭ ‬ستزيد‭ ‬الربحية‭.‬

ومن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬تبخل‭ ‬على‭ ‬موظفيها‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬ميزانياتها‭. ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬يطول‭ ‬شرحه،‭ ‬لكنني‭ ‬وجدتها‭ ‬مناسبة‭ ‬جيدة‭ ‬لذكره‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المقال‭ ‬لأنني‭ ‬تطرقت‭ ‬إلى‭ ‬فن‭ ‬الإدارة‭ ‬والقيادة‭ ‬لنادي‭ ‬ليفربول‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬المختلفة‭ ‬وبأساليب‭ ‬أخرى‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني