المهارة المنسية في سباق الكفاءات
| د.حورية الديري
في خضم السباق نحو امتلاك المهارات الرقمية واللغوية والتقنية، كثيرًا ما يغفل الناس عن مهارة لا تقل أهمية، بل تفوقها أحيانًا في تأثيرها على النجاح المهني والاجتماعي، إنها مهارة الذكاء العاطفي. وحيث يظن كثيرون أن النجاح في الحياة يتطلب فقط التفوق الأكاديمي أو المهارات الفنية، تشير الدراسات الحديثة إلى من يتمتعون بدرجة عالية من الذكاء العاطفي يتفوقون في القيادة، وحل النزاعات، والتواصل الفعال، والقدرة على التكيف. وبالطبع لا يمكن قياس الذكاء العاطفي بدرجات الامتحان، بل يُقاس بقدرتنا على فهم مشاعرنا، وتنظيمها، والتعاطف مع الآخرين.. وهو ما يجعلنا مختلفين.. “قادة لا متسلطين، وأصدقاء لا مجرد زملاء، ومحاورين لا متحدثين فقط”. وخلال السنوات الأخيرة، حرصت الشركات الكبرى على إدراج الذكاء العاطفي ضمن معايير اختيار الموظفين، لأنه المفتاح لبيئة عمل صحية ومبدعة. والمثير في الأمر أن هذه المهارة يمكن تطويرها وتعلمها، فليست حكرًا على أحد، فبعض ورش العمل في التنمية البشرية بدأت بتضمين تمارين لتعزيز مهارات الإصغاء، وإدارة الغضب، وفهم دوافع السلوك الإنساني، حتى المدارس أصبحت تدرك أهميتها، فبعض النظم التربوية المتقدمة بدأت تعليم الأطفال كيف يعبرون عن مشاعرهم بوعي، وفي عالم متغير، لا يكفي أن نمتلك المهارة، بل يجب أن نعرف كيف نُحسن استخدامها في سياق إنساني، لأن الذكاء العاطفي لا يجعلنا فقط أشخاصًا أفضل، بل أكثر توازنًا وسعادة، والتنمية البشرية لم تعد تقتصر على الدورات التحفيزية أو مهارات التفاوض، بل أصبحت تشمل بناء الإنسان من الداخل، وتحريره من الضغوط والانفعالات المكبوتة، وهنا يبرز الذكاء العاطفي كأحد أعمدة التنمية الشخصية والمهنية باعتباره فن العيش بوعي، وتوازن العقل بالقلب، والنجاح بسكون وتواضع.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية