الصحافة بين سقف الحريات وقاع الاستحقاقات
| أسامة مهران
يحتفي الصحافيون ويتفاخرون في بلادنا العربية بالحريات الممنوحة لهم وتلك المهضومة، يتفاخرون بأنهم ينتقدون كل شيء، ويناقشون كل شيء، يفرحون بأقل القليل، وأبخس الأسعار، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا أنهم سلطة رابعة تمارس أعمالها الرقابية على كل ما يهم الناس، كل ما يؤرق مخادعهم، وكل ما يهدد مستقبلهم، يقفون بكل صراحة ووضوح وتفان من أجل الدفاع عن الحق، عن الحقيقة، عن الحرية، عن الأمن القومي والوطني، عن الثوابت الدينية والعقائدية والوطنية، عن لقمة العيش التي أصبحت مهددة في كثير من بلداننا العربية، يقفون في وجه الظالم ومع المظلوم، يتحدون في مواجهة الظلاميين والمدسوسين والخونة، يمارسون مهنتهم وهم متمترسون خلف أسنة الرماح، يعيشون الخطر في أبشع وأقسى مراحله، يذهبون إلى جبهة القتال الجمعي كي يدافعوا عن الوعي، فيحملون مشاعل التنوير، ويصبرون على المكاره شأنهم في ذلك شأن المواطن الذي يعاني، والفنان الذي يسهر الليالي من أجل إرضاء جميع الأذواق، بل والارتقاء بالذوق العام وحمايته من التشويه والتجريف والفرز الجائر. هكذا هو الصحافي مثلما أراه، وليس ذلك الذي يسرق من “شات جي بي تي”، أو ذاك الذي يسطو على مقال لمبدع أو حوار لزميل مجتهد، أو هذا الذي ينتحل شخصية مؤلف عملاق من أجل أن يصنع لنفسه اسما وهميًّا، ومجدًا أسطوريًّا، وجاهًا لحظيًّا، هذا هو الصحافي مثلما أراه، بعد رحلة طويلة من المعاناة، وعمر أطول من التغاضي والتغافل واللامبالاة. وها نحن اليوم نفتح الملف المفتوح دائمًا وأبدًا: إلى متى؟ وإلى أين؟ إلى متى الإهمال في حقوق الصحافيين؟ وإلى أين تتجه المنظومة في ظل الشعارات الجوفاء، واللافتات البراقة التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ إلى متى يظل الصحافي بلا تقاعد ولا معاش ولا استحقاقات من أي نوع؟ وإلى أين يذهب لو مضى قطار عمره وأصبح بلا مورد ولا عائد ولا سكن ولا إعانة، ولا حتى إعالة ليعيش عالة على مجتمعه وأقاربه وأصدقائه، الكارثة أن بعض الجمعيات المسؤولة عن الصحافيين في بعض البلدان أصبحت تتباهى بالإعانات التي تأتي إليها من بنك هنا وشركة هناك، أصبح التفاخر بشيك يمنحه بنك أو شركة بمثابة حدث تلتقط من أجله الصور التذكارية وتقام من أجله المآدب والولائم والاحتفاليات المهينة. مر ربع قرن على تأسيس جمعية الصحفيين البحرينية ولم نخرج من الحفل إلا بوليمة وبعض الكلمات الطيبة من بعض المتحدثين الأجلاء. لم أحزن بقدر حزني على المنظومة التي تفتقر المشروع والرؤية والجلوس حول مائدة مستديرة تناقش فيها هموم المهنة ومعاناة الصحافي واستحقاقاته التي ضاعت هباءً منثورًا، لم أحزن بقدر حزني على زملاء يتحدثون همسًا عن كذا وكذا، عن هم من هنا وعن تجربة استحقاقية من هناك، عن وعد حق لم يخرج بعد من وراء الأكمة ليعلن عن نفسه بوضوح، مشروع صحافي ينتشل المنظومة من قاع التغاضي إلى سماوات التناول المهيب، فقط مجرد مشروع يتوافق الصحافيون عليه من أجل إعادة هيبة الصحافي إلى مكانها الطبيعي المستحق، وهو ما ليس على مهنتنا بالكثير.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية