“القاتل الصامت” يهدد البشرية!

| أحمد جعفر

 هناك قضية منسية في زحام القرارات الجدلية التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا. ليست مسألة تقليص القوة العاملة في الحكومة الفدرالية، ولا حتى الصراع الذي تغذيه الآيديولوجيا مع هارفارد وبقية الجامعات المرموقة، ولا الرسوم الجمركية التي جعلت الأسواق تسبح في حمامات الدم الحمراء، إنما المناخ. وفي حين ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية عامًا بعد آخر - وفقا للأمم المتحدة - وتزداد الظواهر المناخية المتطرفة في جميع أنحاء العالم بسبب الاحتباس الحراري، تتبنى إدارة ترامب سياسة مقلقة تقوم على إنكار العلم، وتفكيك ما تبقى من أدوات المعرفة والاستعداد والاستجابة لهذه القضية الخطيرة. لقد عمل الرئيس الأميركي على تفكيك وكالة حماية البيئة وطرد العلماء، وقطع تمويل الأبحاث المناخية، فيما ألغى التقييم الوطني للمناخ، بل وأوقف عمل مراكز ترصد منذ عقود الغازات الدفيئة التي تفاقم الاحترار. وتمثل اتفاقية باريس للمناخ الموقعة عام 2015، أبرز مبادرة دولية لمواجهة ظاهرة تغير المناخ، إذ تهدف إلى حصر ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. وهنا، يؤكد العلماء أن كل عُشر إضافي من الدرجة المئوية يعني أعاصير أكثر عنفًا وموجات حر قاتلة واختفاء سواحل بأكملها، وهجرات بشرية جماعية نتيجة الجفاف وانعدام الأمن الغذائي. والمفارقة أن الدول الفقيرة التي لديها انبعاثات كربونية أقل هي من تدفع هذه الفاتورة حاليًّا.

أما الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم وثاني أكبر ملوث لكوكب الأرض بعد الصين، كان يُفترض أن تقود هذا الجهد العالمي، لا أن تنسحب من هذه الاتفاقية التي وقعت عليها كل الدول تقريبًا. إن انسحاب ترامب للمرة الثانية من اتفاقية باريس للمناخ وتدميره البيانات العلمية ورفضه تمويل مصادر الطاقة النظيفة، لا يضر فقط بالأميركيين، بل بالكوكب بأسره. في أواخر يونيو وأوائل يوليو 2025، شهدت القارة الأوروبية موجة حر شديدة أدت إلى وفاة أكثر من 2,300 شخص في 12 مدينة، حيث أكد باحثون من “إمبريال كوليدج” لندن أن نحو 1,500 من هذه الوفيات تُعزى مباشرة إلى تغير المناخ، ما جعل العلماء يطلقون عليه لقب “القاتل الصامت”. وأوضح العلماء أن درجات الحرارة خلال تلك الفترة كانت لتكون أقل بمقدار 2 إلى 4 درجات مئوية في غياب الاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري، ما يكشف أثر التغير المناخي في تضاعف الوفيات، خصوصًا بين كبار السن الذين يشكلون الشريحة الأكثر تضررًا. كما أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة خطر حرائق الغابات في عدد من دول القارة العجوز، بينما حذرت وكالة البيئة الأوروبية من تضاعف وفيات الحرارة عشرات المرات إذا ارتفعت حرارة الأرض إلى 3 درجات. يُذكر أن شهر يونيو 2025 سجل أعلى درجات حرارة بحرية في تاريخ البحر المتوسط، ما فاقم من تأثير موجة الحر، فيما حذر العلماء من أن موجات الحر مستقبلًا ستصبح أكثر تواترًا وشدة مع استمرار ارتفاع درجات حرارة الكوكب. لقد تجاوز العالم مرحلة النقاش حول وجود تغير مناخي من عدمه، ودخلنا زمن الخيارات المصيرية، فإما أن نتحرك الآن مسترشدين بالعلم ومسلحين بالمسؤولية، أو أن نترك الأجيال القادمة تواجه مصيرًا قاتمًا صنعناه نحن وفرضناه عليهم بلا وجه حق. رايتشل كليتوس، مديرة السياسات في برنامج المناخ والطاقة لدى اتحاد العلماء المهتمين، وهو منظمة أميركية تدافع عن العلم والمعرفة، وصفت هذا النهج بمرارة حين قالت لصحيفة “نيويورك تايمز” مؤخرًا: “ما يحدث الآن يشبه العودة إلى العصور المظلمة”. وفي معارضة هادئة، أشهر علماء أميركيون سلاح المعرفة، حيث أطلقوا بثًا مباشرًا استمر 100 ساعة متواصلة، تناوب فيه عشرات المتخصصين في الطقس والمناخ على تقديم عروض علمية من 15 دقيقة، يشرحون فيها للمواطنين الأميركيين العاديين كيف أن “ما يحصلون عليه من أبحاث علمية مذهلة لا يكلفهم سوى بضع بنسات من الدولارات” من أموال دافعي الضرائب، حسبما قالت عالمة المناخ كيت مارفيل لشبكة “سي إن إن”. إن خفض الانبعاثات الكربونية ليس قضية بيئية فقط؛ بل اختبار أخلاقي وسياسي وإنساني لتسليم الأجيال الجديدة كوكبًا صالحا للحياة. ولعل ترامب يعيد النظر في قراراته مرة أخرى لو قدرت له زيارة الخليج مجددًا خلال أغسطس الحارق، وسار لدقائق في الشوارع تحت شمس الثانية ظهرًا، فربما تتبدل قناعاته قبل أن يذوب من لهيب الجو.

كاتب بحريني