خربشة ومغزى.. "الميل والمشايعة.. ظاهرة في البشر"
| احمد عبدالله الحسين
الميل والمشايعة ظاهرة في البشر، تغرزها الفطرة وبيئة النشأة وغرائزية النزعة، ومكتسبات التعلّم والتجربة، خيوطها أحيانا تتصل بهوية انتماء وولاء، وتندبها تنافسية بروز وتحدي، ويدفعها طمع وتشفَّي. ظاهرة فيها ما هو حيادي الأثر، وغيرة ثالم سلوك سويّ يبذر تفكيك لحمة وسلم أهلي. سلبيات الميول والمشايعة قد تعاني منها مجتمعات ودول، وجهود ترميم تطول. قيل إن الميل نزوع فطري موروث تفضيلي عند الفرد يتمثل في افكار وأعمال وانفعالات وغايات نفسية، ويتطور وينموا ضمن ثقافة المحيط الذي يحيا فيه.
ومما هو عند الباحثين أن الإنسان يتشكل في جزء من حصيلته المعرفية نتيجة تفاعل حواسّه الظاهريّة بالأشياء التي تقع قبالته حين النظر، والسمع واللمس والشم والتذوق، وهذه المعرفة تُبنى وتُحلل في الذهن، بما في ذلك أسبابها ومسبباتها والميول داخلة في ذلك، ولابن سينا قول في كتابه برهان الشفاء أن ذوات الأسباب لا تعُرف إلّا بأسبابها.
إنّ أيّا من البشر يجد في نفسه ميلا وتعلّقا بشيء ما يجذبه، كما يجذب مغناطيس أشياء صلبة إليه، وللجذب درجات وآثار تتنوع وفيها يكمن إيحاء مباشر بأعمال ومشاعر محددة تجيش عند صاحبها كقول أحدهم؛ ألم ترَ أنَّ الطيرَ إن جاءَ عشهُ فآواهُ في أكنافِهِ يترنمِ وبالمثل يقول من تعلق بوطنه؛ وطني إذا ما شان فضلك شائن فأنا الغيور وعزة الاسلام وطني العزيز وفيك كل صبابتي وتدلّهي وتولّهي وهيامي وطني العزيز وعنك خلت محدّثي أنحى على سمعي ببنت الجام وطني العزيز وإن ألّم بك الأسى قامت بقلبي سائر الآلام وهذا فيه زخم عواطف لا يطالها مهزوز الولاء لعروبته وفخره لها.
إما المشايعة فهي المُتابَعة والمُطاوَعة، وقيل كذلك شايعه أي والاه، وشيعت فلانا بمعنى اتّبعه وشيعه على رأيه وشايعه، وتابعه وقواه، ويقال شاعك الخير أي لا فارقك. وقول شعته وأشيعه شيعا إذا ملأته. وتشيع في الشيء أي استهلك في هواه. وشيع النار في الحطب بمعنى أضرمها. ويُقال لصوت الزمارة شياع لأن الراعي يجمع إبله بها.
وهكذا تتفتق دلالة المشايعة في اللغة العربية وكلّها تدور حول معنى المتابعة، والمناصرة والموافقة بالرأي والاجتماع على الأمر، أو الممالأة عليه. ومثل هذا يُطلق على الأشياع المشابهين في النِّحْلة وإن كانوا سالفين.
ولهذا تتداخل في الإنسان معاني الميل والمشايعة، ويكون صدى الفرد لمن يميل إليهم ويشايعهم. وهذا له إيجاب حين يكون على مناقب خير ومحمود أفعال، وغيره يكون هوى مذموم يتأثر صاحبه باعوجاج تأويل أو منافحة عن تدليس وكذب خبر، بُغية توتير وتضليل وعداوة، وما أكثر هذا عند مرضى النفوس. ولبعض هؤلاء لوح ابن خلدون في مقدمته أن التشيعات للآراء والمذاهب، والثقة بالناقلين، والذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر لما غلب في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. ولمثل هؤلاء مندوحة نُصح؛ لنُعْتِقِ التأويل عن رِبْقِ الهوى إن الهوى عن كل خير يحجُبُ وهنالك في الميل والمشايعة من تدفعه الحمية والعصبية حتى يردد قول عمرو بن كلثوم؛ ألاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلينَا
عالمنا اليوم هنالك من يمتطي فسحة الأقوال والمصورات والمنقولات في منصات التواصل الاجتماعي بأسباب ميل ومشايعة فيها وعي متعصب، يثير خلاف، يسبح بنقص وخلل، منحرفا عن حق، لا يخجل في خيانة مبدأ أو وفاء مُنح له، وهو لا يبالي أن ينفث لؤم حسد وغرور. تعجب منه عنف لغوي وبذاءة لسان، وهو يطاله وصف الشاعر؛ وعينُ البُغض تبرزُ كلَّ عيبٍ وعينُ الحبَّ لا تَجِد العيوبا
حذار من الانجرار بلوث هؤلاء حتى يأتي لعن بلا قصد بتقزيم هويتنا أو مقدراتنا ومنهجية بلادنا، فنقع كخبز يلعن عجينه.
وصفة أهل النضج في محامد ميل ومشايعة أنهم يغلقوا شرخ، ويُخرسوا كيد، ويلئموا جرح وحدة واتفاق، يبتغوا ناموس نهوض وفلاح. ويثقوا أن لا بد يوماً يأتي فيه وجه هلال استدار، ويُفتحُ باب في ظلامِ شِهابُ، وتُورِقُ أشجار وفاء وعطاء.