أيام في القاهرة

| د. عبدالله الحواج

منذ أيام وأنا في القاهرة، أتجول في شوارعها وأزقتها وميادينها العريقة. أحياؤها الشعبية، وشعبها الأصيل، سهراتها وصخبها ونيلها الجميل، هكذا منذ أيام وأنا أعيد قراءة قاهرة المعز وكأنني أتصفحها لأول مرة، نعم أول مرة بعد عشرات الزيارات من قبل، وعلى الرغم من آلاف الإطلالات على سحر تاريخها وعادات رموزها، وآثار أجدادها، لم أختر لنفسي صفحة بعينها كي أفحص فيها تفصيلة فاطمية صغيرة، ولا بردية فرعونية كي أتتبع حضارة خالدة منذ آلاف السنين، ولا ورقة توت غامضة كشفت عن عورات المتربصين الطامعين، لقد قلتها مرات ومرات أن مصر القوية هي العرب الأقوياء، وها أنا أعيدها مرارا وتكرارا، إن مصر القوية هي العرب الأقوياء، ليس لأنني هنا في القاهرة الطاهرة أعيش الشجن بكل روعته، وليس لأنني أسعى لمجاملة أحد بعد أن مر قطار العمر الطويل ولم تعد لنا مصالح ولا أطماع إلا رضا رب كريم، وقولة حق لا يراد بها أي شيء آخر. إنه الاستغناء في أبهى صوره وأقدس أيامه، أيام رائعة في قاهرة المعز، وأحلامي لها مازالت وتظل، قلب العروبة النابض، محور المراكز ومركز الريادة الإقليمية شاء من شاء وأبى من أبى، فلتر العثرات كلها والنكبات والأحزان العربية كلها، فمن هنا تبدأ الحرب ومن هنا يبدأ السلام، هكذا تعلمنا من تاريخ الأولين قاهرة التتار والصليبيين، صاحبة المشروع القومي العربي في مهده المخضب بالكفاح والدعاء والرجوع لأولياء الله الصالحين. بها مدافن أهل البيت الكرام، وفي منطقة الابجية أمام قلعة صلاح الدين على شارع صلاح سالم تتقاطع البركة مع قداسة المكان لينضم إليهما مختلف الصروح العمرانية والطرق الواسعة السريعة لتصل بنا إلى المدن الجديدة الخلابة كالرحاب و “مدينتي” والتجمع الخامس والعاصمة الإدارية الجديدة، هذا كله في الشرق من قاهرة المعز الجديدة أما في الغرب فمدينة السادس من أكتوبر العملاقة التي تضم مدينة الراحل العظيم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات الحديثة طيب الله ثراه، مدينة على الطراز العمراني ما بعد الحديث، مدينة ذكية بها كل المعالم الحضارية والقسمات العربية الأوربية المختلطة بوعي معماري فريد، ناهيك عن الإنسان الذي تقاطعت روحه مع عبقرية المكان. لم يكن العلامة المصري جمال حمدان غافلا عن أهمية الجغرافيا في صياغة عبقرية مصر، فمثلما أطلق عليها هيرودوت أنها هبة النيل، جاءت موسوعة حمدان لتؤكد أن موقع مصر الفريد هو سر عظمتها، هو المحدد لدورها الإقليمي وقيمتها الدولية على رأس إفريقيا وجنوب أوروبا وغرب الجزيرة العربية وأرض الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، هو ما أكسبها تلك القيمة وذاك الموقع الفريد بين ثلاث قارات، وهو ما جعلها مطمعا لكل غاصب ومطمحا لكل حاقد، ومرتعا خصبا لكل شرير. مصر الكنانة وقاهرتها الساحرة الساهرة مهبط العلوم والفنون والآداب، قضيت أو أقضي هذه الأيام فيها أياما لا تنسى، بين القديم والجديد تجولت، بين الماضي والحاضر تحولت، لأصبح شأني في ذلك شأن أي عربي محب، إلى نسخة عميقة التأثر بالمكان عندما يشترك مع الزمان والإنسان في تكوين محتوى عربي من كل حدب وكل صوب، ومن كل لون وكل جنس لتطل علينا قبل أن نودعها، إلى لقاء قريب بإذن الله.