جنائز متنقلة!

| د. جاسم المحاري

‭ ‬الموت‭ ‬ليس‭ ‬فناءً‭ ‬مطلقًا‭ ‬–‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مفارقة‭ ‬الشخص‭ ‬الحياة‭ ‬وخروج‭ ‬الروح‭ ‬إلى‭ ‬بارئها‭ ‬–‭ ‬وفق‭ ‬أغلب‭ ‬الديانات‭ ‬السماوية،‭ ‬فهو‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬ومحطة‭ ‬بين‭ ‬حياتين‭ (‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬والحياة‭ ‬الآخرة‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬يلقى‭ ‬فيها‭ ‬البشر‭ ‬مصيرهم‭ ‬المحتوم‭ ‬في‭ ‬الآخرة،‭ ‬بعد‭ ‬بعثهم‭ ‬وحسابهم‭ ‬إلى‭ ‬الجنة‭ ‬أو‭ ‬الجحيم،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬حتميّة‭ ‬صادمة‭ ‬حين‭ ‬يموت‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬القدر‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬جميع‭ ‬الوظائف‭ ‬البيولوجية‭ ‬لأسباب‭ ‬متعددة‭ ‬تُنهي‭ (‬يوميًّا‭) ‬حياة‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ (‬150‭) ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬في‭ ‬مصاديق‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬وحدانية‭ ‬البارئ‭ ‬العظمى،‭ ‬حيث‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬الموت‭ ‬إبداع‭ ‬ذاته‭ ‬الجبّارة‭ ‬وسيطرتها‭ ‬التي‭ ‬تنفرد‭ ‬بالعزّ‭ ‬والبقاء،‭ ‬وتقهر‭ ‬بالموت‭ ‬والفناء‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الظواهر‭ ‬الكونية‭.‬

يبقى‭ ‬الموت‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬سيواجهه‭ ‬الجميع‭ - ‬بطل‭ ‬كل‭ ‬نهاية‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬طريقته‭ ‬وتعددت‭ ‬مسبّباته‭ ‬وتنوعت‭ ‬ظروفه‭ ‬الغريبة‭ ‬بعضها‭ ‬والطريفة‭ ‬في‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر،‭ ‬والتي‭ ‬تتصدّر‭ ‬حوادث‭ ‬السير‭ ‬المميتة‭ ‬فيها‭ ‬أعلى‭ ‬قمة‭ ‬الهرم،‭ ‬فلا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الصدمة‭ ‬حينًا‭ ‬أو‭ ‬الطرافة‭ ‬حينًا‭ ‬آخر،‭ ‬خصوصًا‭ (‬وهو‭ ‬المُحزن‭) ‬بين‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬والمراهقين‭ - ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يدخلوا‭ ‬حروبًا‭ ‬أو‭ ‬تضربهم‭ ‬مجاعات‭ ‬أو‭ ... ‬إلخ‭ ‬–‭ ‬ممّن‭ ‬أظهرت‭ ‬لهم‭ ‬تلك‭ ‬الحوادث‭ (‬أكبر‭ ‬القاتلين‭) ‬في‭ ‬ضخامة‭ ‬الأرقام‭ ‬على‭ ‬الشوارع‭ ‬والطرقات‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬مأساوية‭ ‬صارعة‭ ‬للنّفس،‭ ‬قد‭ ‬سجلّت‭ ‬الوفيات‭ ‬العالية‭ ‬وحصدت‭ ‬الإصابات‭ ‬البليغة‭ ‬وخلّفت‭ ‬الإعاقات‭ ‬المُشوهة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الخسائر‭ ‬الفادحة‭ ‬وانعدام‭ (‬المأمونية‭) ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والأرصفة‭ ‬والمركبات

نافلة‭: ‬

ما‭ ‬أشارت‭ ‬له‭ ‬الإحصائيات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الحوادث‭ ‬المميتة‭ ‬التي‭ ‬فاقت‭ ‬60‭ %‬؛‭ ‬يستدعي‭ ‬دّق‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬آلَ‭ ‬حال‭ ‬السلامة‭ ‬للانعدام‭ ‬والأمن‭ ‬للفقدان‭ ‬بين‭ ‬شريحة‭ ‬السائقين‭ ‬والمرافقين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬شوارع‭ ‬وطرقات‭ ‬البحرين‭ ‬الحيوية،‭ ‬لاسيّما‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬الحوادث‭ ‬المرورية‭ ‬التي‭ ‬تُسجّل‭ ‬“دوريًّا”‭ ‬وتُزهق‭ ‬الأرواح‭ ‬البريئة‭ ‬وتُوقع‭ ‬الإصابات‭ ‬الخطيرة‭ - ‬خاصة‭ - ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭ ‬التي‭ ‬زاد‭ ‬فيها‭ ‬شبح‭ ‬الموت‭ ‬“الدّامي”‭ ‬في‭ ‬خطف‭ ‬الأنفس‭ ‬الآمنة‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬السلوكيات‭ ‬غير‭ ‬المسؤولة‭ ‬بقواعد‭ ‬السير‭ ‬وقوانينه‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسرعة‭ ‬الزائدة‭ ‬والإهمال‭ ‬الجسيم‭ ‬والتهور‭ ‬الفاضح‭ ‬والاستهتار‭ ‬المتعمد‭ ‬والتلّهي‭ ‬البيّن‭ ‬أثناء‭ ‬القيادة‭ ‬بالهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬أو‭ ‬المؤثرات‭ ‬النفسية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه‭.‬

فيما‭ ‬يزداد‭ ‬المشهد‭ ‬مرارة‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬بدت‭ ‬لافتة‭ ‬للعيان‭ ‬في‭ (‬استهواء‭) ‬فئة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الدراجات‭ ‬النارية‭ ‬وعجلات‭ ‬الدفع‭ ‬الرباعي‭ ‬و”السكوترات”‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬أفنية‭ ‬“الفرجان”‭ ‬الضّيقة‭ ‬عوضًا‭ ‬عن‭ ‬الطرقات‭ ‬السريعة،‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬مراعاة‭ ‬لاحتياطات‭ ‬السلامة‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬حلبات‭ ‬استعراضية‭ ‬يسودها‭ ‬الطيش‭ ‬والاستهتار،‭ ‬وكأنّها‭ ‬مشاريع‭ ‬“جنائز‭ ‬متنقلة”‭ ‬تُفجع‭ ‬ذويهم‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني