الخطاب الإيراني وتطهير الجبهة الداخلية

| رضي السماك

‭ ‬بالرغم‭ ‬مما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬ضربات‭ ‬موجعة‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬السلاح‭ ‬الجوي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬والتي‭ ‬طالت‭ ‬صفوة‭ ‬قياداتها‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬والجيش،‭ ‬فضلًا‭ ‬عما‭ ‬لحق‭ ‬بمنشآتها‭ ‬النووية‭ ‬من‭ ‬دمار‭ ‬هائل‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الـ‭ ‬12‭ ‬يومًا‭ ‬التي‭ ‬اختتمت‭ ‬بضربات‭ ‬السلاح‭ ‬الجوي‭ ‬الأميركي‭ ‬الأكثر‭ ‬فتكًا‭ ‬لتصفية‭ ‬منشأة‭ ‬فوردو‭ ‬الأكثر‭ ‬تحصينًا‭ ‬تحت‭ ‬أعماق‭ ‬صخور‭ ‬الجبال،‭ ‬وكذلك‭ ‬تصفية‭ ‬منشأتي‭ ‬أصفهان‭ ‬ونطنز،‭ ‬نقول‭: ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المتتبع‭ ‬لتصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬مسعود‭ ‬بزشكيان‭ ‬ووزير‭ ‬خارجيته‭ ‬عباس‭ ‬عراقجي،‭ ‬سيلمس‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجالًا‭ ‬للشك‭ ‬التلميح‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬التصريحات‭ ‬بأن‭ ‬طهران‭ ‬تتطلع‭ ‬بحرارة‭ ‬لإجراء‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬تنتهي‭ ‬برفع‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المستمرة‭ ‬عليها‭ ‬منذ‭ ‬ثورة‭ ‬1979،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭.‬

لقد‭ ‬أنهك‭ ‬هذا‭ ‬الحصار‭ ‬اقتصاد‭ ‬البلد‭ - ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬الطويلة‭ - ‬أيما‭ ‬إنهاك،‭ ‬سيما‭ ‬وأنه‭ ‬يطال‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تلتزم‭ ‬به‭ ‬وفق‭ ‬المشيئة‭ ‬الأميركية‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬خطابات‭ ‬“المرشد”‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬تنحو‭ ‬إلى‭ ‬التشدد‭ ‬مقارنة‭ ‬بتصريحات‭ ‬وأحاديث‭ ‬الرئيس‭ ‬ووزير‭ ‬خارجيته،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬لبيب‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬تقاسم‭ ‬الأدوار‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬نضجت‭ ‬المفاوضات‭ ‬وآتت‭ ‬أُكلها‭ ‬تظهر‭ ‬طهران‭ ‬بأن‭ ‬تنازلاتها‭ ‬إنما‭ ‬تمت‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬القوة،‭ ‬أو‭ ‬الند‭ ‬للند،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الاستسلام‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬منتظر‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬أية‭ ‬محادثات‭ ‬مرتقبة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬النأي‭ ‬عن‭ ‬خطابها‭ ‬الثوري‭ ‬المتقادم‭ ‬منذ‭ ‬استلام‭ ‬الطبقة‭ ‬الدينية‭ ‬الحاكمة‭ ‬السلطة‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬والمسبب‭ ‬لتأزيم‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬بما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬التوتر‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬جاراتها‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬وفي‭ ‬تقديرنا‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬تخطوها‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬ذلك‭ ‬ستقابل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بخطوتين،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬توافرت‭ ‬حسن‭ ‬النوايا‭.

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يصب‭ - ‬بلا‭ ‬شك‭ - ‬في‭ ‬صالح‭ ‬استقرار‭ ‬وسلام‭ ‬المنطقة،‭ ‬ويعود‭ ‬بالنفع‭ ‬والازدهار‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬مجتمعةً‭.‬

وأخيرًا‭ ‬ففي‭ ‬تقديرنا‭ ‬بأن‭ ‬طهران‭ ‬بحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬إلى‭ ‬تطهير‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الاختراقات‭ ‬الواسعة‭ ‬لأمنها‭ ‬الداخلي،‭ ‬والتي‭ ‬تكشفت‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الضربات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الجوية،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬المؤججين‭ ‬المعادين‭ ‬لأي‭ ‬توجه‭ ‬نحو‭ ‬حل‭ ‬وتصفير‭ ‬مشاكلها‭ ‬الإقليمية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬إعلام‭ ‬المحافظين‭ ‬في‭ ‬النظام،‭ ‬وأن‭ ‬تخفف‭ ‬التضييق‭ ‬على‭ ‬الإصلاحيين‭. ‬ونرى‭ ‬بأنه‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لأن‭ ‬تلتفت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬مشاكل‭ ‬الشعب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعيشية‭ ‬والإسكانية،‭ ‬وأن‭ ‬تخصص‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬لحل‭ ‬هذه‭ ‬المشاكل‭ ‬بالابتعاد‭ ‬عن‭ ‬العسكرة‭ ‬ووقف‭ ‬دعم‭ ‬محاورها‭ ‬الإقليمية‭ ‬المنكسرة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الحصار‭ ‬الأميركي‭ ‬سببان‭ ‬في‭ ‬استنزاف‭ ‬أموال‭ ‬وطاقات‭ ‬البلد‭ ‬استنزافًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬لاسيما‭ ‬وأن‭ ‬إيران‭ ‬حبلى‭ ‬بالموارد‭ ‬البشرية‭ ‬العظيمة‭.‬

كاتب‭ ‬بحريني