النظام العالمي الجديد.. عالم ترامب الجديد (1 من 2)

| د. باقر النجار

يتحدث‭ ‬البعض‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬ولربما‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬عن‭ ‬بروز‭ ‬أو‭ ‬بداية‭ ‬بروز‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التعددية‭ ‬القطبية،‭ ‬تفقد‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬بفعل‭ ‬وهن‭ ‬قوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وبدرجة‭ ‬أقل‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬وهو‭ ‬حديث،‭ ‬كما‭ ‬أعتقد،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬التمنيات‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬تغيرات‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬الواقع‭. ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬هنا‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قوى‭ ‬جديدة‭ ‬ناهضة‭ ‬كالصين‭ ‬وروسيا‭ ‬والهند،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تجاري‭ ‬مجتمعة‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬قوى‭ ‬نووية،‭ ‬ورغم‭ ‬كونها‭ ‬قوى‭ ‬اقتصادية‭ ‬ناهضة‭. ‬فلازالت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تمثل‭ ‬القوة‭ ‬الأعظم‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬مفاصل‭ ‬العالم،‭ ‬قد‭ ‬تخف‭ ‬هنا‭ ‬وتزداد‭ ‬هناك‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ستبقى‭ ‬القوة‭ ‬الأكبر‭ ‬والمؤثرة‭ ‬لعقود‭ ‬قادمة‭. ‬فستبقى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تمثل‭ ‬الدولة‭ ‬الأقوى‭ ‬بفعل‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬الضاربة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عدد‭ ‬قواتها‭ ‬وترسانتها‭ ‬العسكرية‭ ‬الكبيرة‭ ‬والمتطورة،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬انتشار‭ ‬قواعدها‭ ‬العسكرية‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬يبلغ‭ ‬حجم‭ ‬إنفاقها‭ ‬العسكري‭ ‬السنوي‭ ‬حوالي‭ ‬916‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬حوالي‭ ‬37‭ ‬‭% ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬العالمي‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬قواتها‭ ‬يقترب‭ ‬أو‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬عسكري‭. ‬وهي‭ ‬تمتلك‭ ‬حوالي‭ ‬ستة‭ ‬آلاف‭ ‬طائرة‭ ‬حربية‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬ولديها‭ ‬حوالي‭ ‬170‭ ‬قمرا‭ ‬صناعيا‭ ‬يخدم‭ ‬مؤسساتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬والعلمية،‭ ‬والفضائية،‭ ‬وغيرها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اقتصادها‭ ‬يمثل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬فحجم‭ ‬الناتج‭ ‬الإجمالي‭ ‬المحلي‭ ‬يقارب‭ ‬ثمانية‭ ‬وعشرين‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2024،‭ ‬مقارنة‭ ‬بحوالي‭ ‬ثمانية‭ ‬عشر‭ ‬تريليونا‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬وسبعة‭ ‬عشر‭ ‬تريليونا‭ ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬وأربعة‭ ‬تريليونات‭ ‬ونصف‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭. ‬

فهي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لازالت‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تُهاب،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬هيبة‭ ‬قد‭ ‬تكسرها‭ ‬أحيانا‭ ‬غطرسة‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬انفلاتها،‭ ‬وهي‭ ‬انكسارات‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬انسحاب‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬مثل‭ ‬فيتنام‭ ‬وأفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬وغيرها،‭ ‬أو‭ ‬القناعات‭ ‬القديمة‭ - ‬الجديدة‭ ‬لدى‭ ‬يمينها‭ ‬السياسي‭ ‬المهيمن‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬الداعية‭ ‬للابتعاد‭ ‬عن‭ ‬مشكلات‭ ‬العالم،‭ ‬أو‭ ‬اعتقاد‭ ‬بعض‭ ‬قادتها‭ ‬أو‭ ‬دولتهم‭ ‬العميقة‭ ‬بأن‭ ‬القوة‭ ‬والقوة‭ ‬وحدها‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وكسر‭ ‬كل‭ ‬منافس‭ ‬أو‭ ‬معارض‭. ‬وهي‭ ‬قوة‭ ‬تجبر‭ ‬الطرف‭ ‬المعادي‭ ‬أو‭ ‬المنافس‭ ‬إما‭ ‬للرضوخ‭ ‬والاستسلام‭ ‬أو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬تكون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هي‭ ‬الكاسب‭ ‬فيها‭. ‬وككل‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬كبرى‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬كبح‭ ‬أو‭ ‬ردع‭ ‬كل‭ ‬منافس‭ ‬أو‭ ‬معارض‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬كدول‭ ‬أو‭ ‬جماعات‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭.‬

وتمثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حالة‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬وإنجازاتها‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬التاريخ‭ ‬لها‭ ‬مثيلا،‭ ‬وهي‭ ‬وبفعل‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إضعاف‭ ‬المنافسين‭ ‬والخصوم‭ ‬والمناكفين،‭ ‬ستبقى‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة‭ ‬والمؤثرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لعقود‭ ‬قادمة‭. ‬وهي‭ ‬الدولة‭ ‬الأقوى‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الحماية‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الأهمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬لها‭ ‬كالخليج‭ ‬وتايوان‭ ‬وسنغافورة،‭ ‬وغيرها،‭ ‬وهو‭ ‬دعم‭ ‬قد‭ ‬يعتبر‭ ‬أحد‭ ‬دعائم‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬هناك‭ ‬دولة‭ ‬جديدة‭ ‬صاعدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بدورها‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬مكانها‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬يتشكل‭ ‬وأفول‭ ‬للقوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحتى‭ ‬القول‭ ‬بعالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬كما‭ ‬أشرنا‭ ‬سابقا،‭ ‬يبقى‭ ‬حديثا‭ ‬محدودا‭ ‬في‭ ‬دقة‭ ‬مقاربته‭ ‬للواقع‭ ‬وفي‭ ‬رصده‭ ‬لتحولاته‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬نذهب‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ونقول‭ ‬إن‭ ‬الحديث‭ ‬حول‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬قولا‭ ‬معلولا؛‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬دول‭ ‬مؤثرة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والسياسة‭ ‬كروسيا‭ ‬والصين‭ ‬وأوروبا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ستبقى‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭ ‬القوة‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬والأضخم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عتادها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬العالم‭.  ‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فإن‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬خلقها‭ ‬يمين‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬في‭ ‬إدارته‭ ‬للدولة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الداخل‭ ‬وفي‭ ‬السياسات‭ ‬والإجراءات‭ ‬والأفعال‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالخارج،‭ ‬تمثل‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬دخول‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬وليست‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭. ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أبدا‭ ‬الأفول‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬لطبيعة‭ ‬الإدارة‭ ‬السياسية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬للحكم،‭ ‬والتي‭ ‬توظف‭ ‬عناصر‭ ‬قوتها‭ ‬الغاشمة‭ ‬مع‭ ‬الضعفاء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أو‭ ‬التحدي‭ ‬والمناكفة‭ ‬مع‭ ‬الأصدقاء‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬سعر‭ ‬أو‭ ‬وضع‭ ‬أفضل‭ ‬ومريح‭ ‬لها،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬مع‭ ‬أوربا‭ ‬واليابان‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬والآسيوية‭ ‬والعربية،‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬باستخدام‭ ‬قوتها‭ ‬الغاشمة‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬أشد‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المناهضة‭ ‬والمعارضة‭ ‬لها،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وإيران‭ ‬وربما‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية،‭ ‬وربما‭ ‬عدم‭ ‬الاكتراث‭ ‬بالدول‭ ‬الأفقر‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬أو‭ ‬غيرها،‭ ‬وهي‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬ستوظف‭ ‬كل‭ ‬الممكن‭ ‬واللاممكن‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭. ‬وهي‭ ‬لذلك‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬للخروج‭ ‬عن‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬والدستورية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬الضابطة‭ ‬لسلوك‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدولية،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬إدارتها‭ ‬لقضايا‭ ‬الهجرة‭ ‬واستقلالية‭ ‬الجامعات‭ ‬وتأثير‭ ‬الطلبة‭ ‬الأجانب‭ ‬فيها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تدخلها‭ ‬في‭ ‬سير‭ ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬والصديقة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تدخل‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬مطالبا‭ ‬بإلغاء‭ ‬الحكم‭ ‬الصادر‭ ‬بحق‭ ‬زعيمة‭ ‬الحزب‭ ‬اليميني‭ ‬الفرنسي‭ ‬ماري‭ ‬لوبان،‭ ‬وكذلك‭ ‬مطالبته‭ ‬للرئيس‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بإلغاء‭ ‬تهم‭ ‬الفساد‭ ‬الصادرة‭ ‬بحق‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬نتنياهو‭ ‬وإلغاء‭ ‬محاكمته،‭ ‬وهو‭ ‬تدخل‭ ‬لربما‭ ‬لم‭ ‬تتجاسر‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬فعله‭ ‬أو‭ ‬طرحه‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬العلن‭.‬

والرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬حالة‭ ‬متفردة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬يمين‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬أطروحاته‭ ‬القائلة‭ ‬“بأمريكا‭ ‬أولا”‭ ‬أو‭ ‬“أمريكا‭ ‬العظيمة”‭ ‬تمتد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لعقود‭ ‬سابقة،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬ترجع‭ ‬تحديدا‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وهي‭ ‬لذلك‭ ‬تمثل‭ ‬أطروحات‭ ‬قديمة‭ ‬جديدة‭ ‬للتعبئة‭ ‬الجماهيرية‭.‬

وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬تصريحاته‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬للحكم‭ ‬مثل‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬“القرين‭ ‬لاند”‭ ‬أو‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭ ‬أو‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬“ريفيرا‭ ‬الشرق”‭ ‬أو‭ ‬سحق‭ ‬غزة‭ ‬وإيران‭ ‬واليمن،‭ ‬هي‭ ‬كلها‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقق،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬بالونات‭ ‬اختبار‭ ‬لردود‭ ‬أفعال‭ ‬المعنيين‭ ‬بالأمر،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬واقعها‭ ‬تعكس‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬القوة‭ ‬اللامتناهية‭ ‬مقابل‭ ‬الآخرين‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬النزوع‭ ‬نحو‭ ‬توظيف‭ ‬القوة‭ ‬يبقى‭ ‬خيارا‭ ‬قائما‭ ‬للتطبيق‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬سابقة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭. ‬وهو‭ ‬فعل‭ ‬لازالت‭ ‬مصاحباته‭ ‬ولربما‭ ‬ارتداداته‭ ‬مجهولة‭ ‬لكلا‭ ‬الطرفين،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحلم‭ ‬به‭ ‬الطرف‭ ‬الأقوى‭ ‬قابل‭ ‬للتحقق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬وإن‭ ‬تحقق‭ ‬فإن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬مصاحباته‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مطلقة،‭ ‬فالحرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬تدفعها‭ ‬نحو‭ ‬سياسة‭ ‬الانكماش‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬نووية‭ ‬أكثر‭ ‬غموضا‭ ‬من‭ ‬السابق‭ ‬وأن‭ ‬تنسج‭ ‬علاقات‭ ‬أوسع‭ ‬وأقوى‭ ‬مع‭ ‬قطبي‭ ‬الشرق‭ ‬روسيا‭ ‬والصين،‭ ‬وكوريا‭ ‬الشمالية‭. ‬وهو‭ ‬فعل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬بمصاحبات‭ ‬هائلة‭ ‬وكبيرة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬لولا‭ ‬سياسة‭ ‬الاحتواء‭ ‬والتهدئة‭ ‬التي‭ ‬تبنتها‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭. ‬وتبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬يتجاسر‭ ‬خصمك‭ ‬على‭ ‬التحدي‭ ‬الفعلي‭ ‬لقوتك‭ ‬في‭ ‬الردع‭ ‬فإن‭ ‬اللعبة‭ ‬كلها‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للتغير،‭ ‬فهناك‭ ‬دائما‭ ‬حدود‭ ‬للقوة‭ ‬لا‭ ‬يدركها‭ ‬صاحبها‭ ‬إلا‭ ‬عند‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬الخصم،‭ ‬وهنا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الزمن‭ ‬أسبق‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬تحولاته‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسبِقَهُ‭.‬

وتبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإقليم‭ ‬والعالم‭ ‬أننا‭ ‬نمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬تحول‭ ‬مهم،‭ ‬قد‭ ‬تضمر‭ ‬قوى‭ ‬البعض‭ ‬وتبرز‭ ‬قوى‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬تأثيرا‭ ‬مهما‭ ‬لبعض‭ ‬القوى‭ ‬الأوربية‭ ‬مقابل‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ستبقى‭ ‬القوة‭ ‬المهيمنة‭ ‬لعقود‭ ‬قادمة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬ستقود‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬قادت‭ ‬لبروز‭ ‬القوة‭ ‬المؤثرة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬مقابل‭ ‬دول‭ ‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬بفعل‭ ‬معطيات‭ ‬جديدة‭ ‬جاءت‭ ‬عليها‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬الداخل‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني