رسوم “ترامبية” تعيد ترتيب آسيان

| عبدالله بوقس

‭ ‬تدخل‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬الأميركية‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬أعلنها‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬أغسطس،‭ ‬مستهدفة‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ (‬آسيان‭) ‬بعد‭ ‬فرض‭ ‬أولي‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭. ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬الرسوم‭ ‬على‭ ‬ماليزيا‭ ‬إلى‭ ‬25‭ %‬،‭ ‬وثُبّتت‭ ‬على‭ ‬إندونيسيا‭ ‬بنسبة‭ ‬32‭ % ‬وتايلاند‭ ‬36‭ %‬،‭ ‬وخُفّضت‭ ‬على‭ ‬كمبوديا‭ ‬إلى‭ ‬36‭ %‬،‭ ‬وفيتنام‭  ‬إلى‭ ‬20‭ % ‬بموجب‭ ‬تفاهم‭ ‬ثنائي‭. ‬هذه‭ ‬التحركات،‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬ترامب‭ ‬بأنها‭ ‬ضرورية‭ ‬لإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬التجاري،‭ ‬لا‭ ‬تعيد‭ ‬فقط‭ ‬ضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬آسيا،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الخريطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فاتحة‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬لاعبين‭ ‬جدد،‭ ‬من‭ ‬ضمنهم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭.‬

‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور،‭ ‬حذّرت‭ ‬الحكومة‭ ‬الماليزية‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬الرسوم‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬ارتفعت‭ ‬من‭ ‬24‭ % ‬إلى‭ ‬25‭ %. ‬فمع‭ ‬بلوغ‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نحو‭ ‬71‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬2024،‭ ‬تخشى‭ ‬ماليزيا‭ ‬من‭ ‬تضرر‭ ‬صادراتها‭ ‬الحيوية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬والمطاط،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد‭.‬

وفي‭ ‬جاكرتا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ردة‭ ‬الفعل‭ ‬أقل‭ ‬سرعة‭. ‬فبعد‭ ‬تثبيت‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬عند‭ ‬32‭ %‬،‭ ‬تحركت‭ ‬الحكومة‭ ‬الإندونيسية‭ ‬لإيفاد‭ ‬وفد‭ ‬تفاوضي‭ ‬رسمي‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭. ‬فإندونيسيا،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬مصدّري‭ ‬زيت‭ ‬النخيل‭ ‬والمطاط‭ ‬والمنتجات‭ ‬الزراعية،‭ ‬تدرك‭ ‬تمامًا‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ ‬الرسوم‭ ‬بهذا‭ ‬المستوى‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سياسة‭ ‬تجارية،‭ ‬بل‭ ‬تهديد‭ ‬حقيقي‭ ‬لعائدات‭ ‬الدولة‭ ‬ولأكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬وظيفة‭ ‬ترتبط‭ ‬بتلك‭ ‬الصناعات‭.‬

أما‭ ‬بانكوك،‭ ‬فوجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تُثمر‭ ‬تنازلاتها‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تخفيض‭. ‬فقد‭ ‬أبقت‭ ‬واشنطن‭ ‬الرسوم‭ ‬عند‭ ‬36‭ %‬،‭ ‬متجاهلة‭ ‬مقترحات‭ ‬تايلاند‭ ‬بزيادة‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬والطاقة‭ ‬الأميركية‭. ‬ومع‭ ‬الجمود‭ ‬الجمركي،‭ ‬تخشى‭ ‬بانكوك‭ ‬من‭ ‬خسارة‭ ‬حصصها‭ ‬السوقية‭ ‬لصالح‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬فيتنام،‭ ‬التي‭ ‬حصدت‭ ‬مكسبًا‭ ‬تفاوضيًّا‭ ‬بارزًا‭.‬

‭ ‬فيتنام،‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬عُرفت‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬الهادئ،‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الخطر‭ ‬إلى‭ ‬مكسب‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬اتفاق‭ ‬سياسي‭ ‬خفّضت‭ ‬واشنطن‭ ‬رسومها‭ ‬من‭ ‬46‭ % ‬إلى‭ ‬20‭ %. ‬وبالمقابل،‭ ‬التزمت‭ ‬هانوي‭ ‬بتوسيع‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬الأميركية‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التفاهم‭ ‬سيفتح‭ ‬أمامها‭ ‬أبواب‭ ‬استثمار‭ ‬جديدة،‭ ‬خاصة‭ ‬للشركات‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬مدخل‭ ‬جمركي‭ ‬منخفض‭ ‬نحو‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬كمبوديا،‭ ‬فقد‭ ‬بدا‭ ‬التخفيض‭ ‬من‭ ‬49‭ % ‬إلى‭ ‬36‭ % ‬بمثابة‭ ‬تنفّس‭ ‬مؤقت،‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭. ‬فالنسبة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مرتفعة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لقطاع‭ ‬الملابس‭ ‬والمنسوجات‭ ‬الذي‭ ‬يشغّل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬عامل‭. ‬وتخشى‭ ‬النقابات‭ ‬العمالية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬المستثمرين‭ ‬نحو‭ ‬نقل‭ ‬مصانعهم‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬مجاورة‭ ‬تقدم‭ ‬بيئة‭ ‬جمركية‭ ‬أكثر‭ ‬تنافسية‭.‬

‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬تُعيد‭ ‬فيه‭ ‬الرسوم‭ ‬الترامبية‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التجارة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬تبرز‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬كأرضية‭ ‬بديلة‭ ‬لاستقبال‭ ‬تحولات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستثمار‭. ‬فبينما‭ ‬تدفع‭ ‬الضغوط‭ ‬الجمركية‭ ‬بعض‭ ‬الصناعات‭ ‬الآسيوية‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع،‭ ‬توفّر‭ ‬الموانئ‭ ‬الخليجية‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬تنافسية،‭ ‬وتُشكّل‭ ‬الرؤى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخليجية‭ ‬منصة‭ ‬مرنة‭ ‬لتأسيس‭ ‬شراكات‭ ‬صناعية‭ ‬وتجارية‭ ‬هجينة‭ ‬مع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتأثرة‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور