جولة في شوارع مُرسية

| سليم مصطفى بودبوس

 تلك البلاد التي في أقصى غرب أوروبا، والتي تطل على البحر المتوسط تخفق لها قلوبُنا كلما ذكرنا اسمها، تلك البلاد التي رسمها شعراؤنا بالكلمات وسمّوها الفردوس المفقود لا تزال تلهج ألسنتنا بذكرها، تلك التي رثاها قبلهم أجدادهم الشعراء ما زالت تفرض علينا حبها لا بفعل ماضينا التليد فيها، ولكن بحكم حاضرها الجميل فينا. نعم عن بلاد الإسبان أتحدّث لأول مرة بعد زيارتي الثالثة لها، ولن يوفيها هذا المقال حقها، لكن هو بعض ما جال في خاطري وشغلني الأسبوع قبل الماضي وأنا في منطقة مُرسية أو مَرسية (Murcia)، تلك المدينة الجميلة التي تقع جنوب شرق إسبانيا على ضفاف نهر شقورة، تحيط بها الجبال من جوانب عديدة ولكنها أيضا تطل على البحر الأبيض المتوسط، سلبت هذه الجغرافيا ناظري، بل وخطفت قلبي أحيانا، خصوصا حين تنعرج بنا السيارة يمينًا أو شمالًا بين جبالها التي لا تدري كيف تنفتح فيها الطرقات والمسالك الضيقة لتجد نفسك على ضفاف البحر في مشهد مهيب رهيب. مُرسيا أو مَرسيه، كما يكتبها الجغرافيون العرب، أسسها عبدالرحمن الأوسط عام 825م، ومن أهم أعلامها في التاريخ الإسلامي ابن عربي وابن سيده، وأبو العباس المرسي.. هذه المدينة لا تتنكر لأعلامها الظاهرة وأسمائهم الباهرة؛ فكم من مدينة صغيرة أو قرية تحافظ على أسمائها العربية القديمة (بني قاسم، الحامة (Alhama) وهو مشتق من الكلمة العربية “الحمّة” التي تعني “الينبوع الساخن”)، كما تحمل إحدى محطات المترو اسم الشيخ الصوفيّ (ابن عربي) وسط مرسية. 

وتشدّك مرسية بروح الحياة فيها، ببهجة النفوس بسعادة ظاهرة وباطنة؛ ظاهرة تلحظها في حركة شبابها وصغارها وهم يتنقّلون هنا وهناك في بهجة تملأ أرجاء المكان حبًّا وحبورًا وسلامًا.. وسعادة باطنة خفية تلحظها في كبار السن وهم يحتفلون بالجمال في الساحات والمقاهي وفي الشطآن والبراري يكرعون من كأس الحياة وجمال المدينة حتّى لكأنّهم يعيشون أبدًا.  تشدّك مرسية بجمال المعمار وهندسة الحيطان والطوب الأحمر أو البنيّ الصغير الذي يغلف جدران العديد من المباني العمودية.. تشدّك كنائسها الرهيبة المهيبة بضخامتها ودقة معمارها وأشكال الفن المسجّى فيها وعناية القائمين عليها.. تشدّك حدائقها وممشى النهر الجميل الذي يشق المدينة فيَهبُها حياة متجدّدة مع خرير الماء وأنواع الطيور الساكنة على ضفافه. تشدك مرسية، أخيرًا وليس آخرا، بتمسّكها بالحقوق الكونية وتضامن أهلها كباقي مدن إسبانيا، مع القضية الفلسطينية العادلة.. ففي أكثر من مكان ترى علم فلسطين مرفوعًا أو مرسومًا، وفي العديد من الواجهات والحيطان تقرأ (free Palestine) وفي غير مكان ترى الجداريات ترسم مأساة أهل غزة وصمودهم. إنها إسبانيا يا سادة.. لا إسبانيا الملاعب، إنما إسبانيا المواقف؛ تحافظ على جمالها فينا بمواقف شعبها وحكومتها إزاء قضيتنا أو لأكون دقيقًا إزاء قضيتهم.

كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية