احتكار الأدوية.. نعمة أم نقمة (2)

| د.سيد محمود القلاف

 تمنح براءات الاختراع شركات الأدوية حقوقًا حصرية لتصنيع وتسويق وبيع الأدوية الجديدة لفترة تصل إلى 20 عامًا، وقد تختلف بين الدول وحسب الأدوية، وتُظهر براءات اختراع الأدوية تناقضًا صارخًا بين حماية الابتكار وضمان الحق في الصحة للجميع، وبينما تُبرر الشركات الاحتكار بدعم الابتكار، تشير دراسات إلى تراجع الأدوية “المنقذة للحياة” مقابل زيادة التعديلات الثانوية على أدوية موجودة بهدف إطالة فترات احتكارها، ولا يخفى أن لكل مسألة إيجابيات وسلبيات، وسنقوم هنا بمناقشتها فيما يخص “براءات اختراع الأدوية”. إيجابيات براءات اختراع الأدوية: تغطية تكاليف البحث والتطوير: يعد تطوير دواء جديد أمرًا مكلفًا للغاية ويستغرق وقتًا طويلًا وينطوي على مخاطر كبيرة، وغالبًا ما يتطلب مليارات الدولارات وفترات طويلة من الزمن مع ارتفاع معدلات فشل تلك العملية، وتوفر براءات الاختراع لشركات الأدوية ضمانًا بأنه إذا نجح دواؤها، فستكون لديها فترة حصرية في السوق لاسترداد استثماراتها الضخمة في البحث والتطوير وتحقيق الأرباح. بدون هذا الحافز، قد تكون الشركات أقل استعدادًا للقيام بمثل هذه الأبحاث عالية المخاطر، خصوصا للأمراض المعقدة أو النادرة. تمويل وتحفيز الابتكار المستقبلي: تتيح الإيرادات المتولدة خلال فترة حماية براءة الاختراع للشركات استثمار هذه الأرباح في مزيد من البحث والتطوير، ما يغذي اكتشاف وتطوير الجيل التالي من الأدوية. الحماية ضد المنافسة: تحمي براءات الاختراع شركات الأدوية من قيام المنافسين بنسخ اختراعهم على الفور، ما يحميهم من “المتطفلين” الذين لم يتحملوا تكاليف البحث والتطوير، وهذا يضمن أن يتمكن المبتكر من الاستفادة من اكتشافه. جذب الاستثمار: حماية براءات الاختراع تجعل شركات الأدوية أكثر جاذبية لأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية والمستثمرين، وهو أمر بالغ الأهمية لتمويل التجارب السريرية وعمليات التطوير المكثفة.  تشجيع التحسينات التدريجية: يمكن لنظام براءات الاختراع أن يشجع الشركات على تحسين الأدوية الموجودة باستمرار أو تطوير تركيبات وتطبيقات جديدة لها.

سلبيات براءات اختراع الأدوية: ارتفاع أسعار الأدوية وتقليل إمكانية الوصول: خلال فترة براءة الاختراع، يسمح غياب المنافسة لشركات الأدوية بتحديد أسعار مرتفعة لأدويتها، والتي غالبًا ما تكون أعلى بكثير من تكلفة الإنتاج. هذا يمكن أن يجعل الأدوية المنقذة للحياة باهظة الثمن بالنسبة للعديد من المرضى، لاسيما في البلدان ذات الدخل المنخفض أو للأفراد الذين ليست لديهم تغطية تأمينية كافية، ما يؤدي إلى تقنين الرعاية الصحية. الاحتكارات المؤقتة وتشوهات السوق: تخلق براءات الاختراع احتكارات مؤقتة، والتي يمكن أن تؤدي إلى أرباح مفرطة لشركات الأدوية وتخصيص غير فعال للموارد. يمكن أن يؤدي ذلك أيضًا إلى خلق حواجز أمام دخول الشركات الجديدة، ما قد يخنق الابتكار الأوسع على المدى الطويل. “التجديد الدائم” وتكتلات براءات الاختراع: قد تشارك الشركات في “التجديد الدائم”، حيث تتقدم بطلب للحصول على العديد من براءات الاختراع الثانوية على تعديلات طفيفة أو تركيبات جديدة أو استخدامات بديلة لدواء موجود لتمديد الحصرية في السوق إلى ما بعد انتهاء صلاحية براءة الاختراع الأصلية، وهذا يمكن أن يؤخر بشكل كبير دخول الإصدارات الجنيسة للدواء بأسعار معقولة، ما يحافظ على ارتفاع الأسعار لفترة أطول. التركيز على الأمراض المربحة: يمكن للطبيعة الربحية لنظام براءات الاختراع أن تحفز شركات الأدوية على تركيز جهودها في البحث والتطوير على الأمراض التي تصيب أعدادًا كبيرة من السكان في البلدان الغنية، حيث يمكنها فرض أسعار مرتفعة، بدلًا من الأمراض النادرة أو الحالات التي تؤثر على مجموعات مرضى أصغر وأقل ربحية. عرقلة تبادل المعلومات والتعاون: يمكن أن تؤدي البيئة التنافسية التي تعززها براءات الاختراع إلى السرية في أبحاث الأدوية. قد تكون الشركات مترددة في مشاركة النتائج المبكرة أو النتائج السلبية خوفًا من المساومة على وضع براءة الاختراع الخاصة بها أو مساعدة المنافسين. يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحيز في النشر، حيث تكون النتائج الإيجابية أكثر عرضة للنشر، ما قد يحرف فهم فعالية الدواء وسلامته ويبطئ الوتيرة الإجمالية للتقدم العلمي. تحديات مصنعي الأدوية الجنيسة: يواجه مصنعو الأدوية الجنيسة تحديات كبيرة عند دخول السوق، حتى بعد انتهاء فترة الاحتكار. غالبًا ما يتعين عليهم التعامل مع أطر تنظيمية معقدة، وإظهار التكافؤ الحيوي، والتنافس مع استراتيجيات “التجديد الدائم” وتكتلات براءات الاختراع التي تطيل حصرية الدواء الأصلي.

تدعي شركات الأدوية أن فترات الاحتكار للأدوية بالكاد تكون كافية لتغطية التكاليف المرتفعة لأبحاث وتطوير الأدوية، ولكن في المقابل فإن الأسعار المرتفعة للأدوية الجديدة تحرم قطاعًا واسعًا من المرضى من الاستفادة منها، خصوصًا في الدول ذات الموارد المحدودة. يتطلب حل هذه المعضلة إصلاحًا جذريًّا لمنظومة الابتكار الدوائي، يعيد التوازن بين الربح الذي تسعى وراءه شركات الأدوية بالتأكيد، وتحسين حياة البشر وهو الهدف الذي من أجله تستخدم هذه الأدوية.

أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية