حالة المثقف العربي!
| أسامة مهران
دوام الحال من المحال، هذا المثل ينطبق تمامًا على أوضاع المثقفين العرب، محاولة الخروج من النفق، الدفاع المستميت عن “النموذج”، عن لقمة العيش، عن المؤنث والمذكر وما بينهما، أكثر من هم وأكثر من دور. قديمًا كان المثقف في أي بلد بالعالم يعيش الهموم الفكرية للوطن، يحاول أن يفكر في تحسين الوعي لدى الشعوب التي “تشابه عليها البقر”، وتلك التي تزلزلت من تحت أقدامها الثوابت القديمة، وأصول القناعات الراسخة. قديمًا كان الشغل الشاغل للمثقف أن يضيف إبداعًا فوق إبداع، أن يبني على ما فات، أن يشارك زملاءه في الهم لمواجهة تحدي الهوية، وعقبات حماية الشخصية الوطنية.. و “قديمًا كانت الأشياء تهاجر، فهاجر زمن في دمانا ولم يعد، وقديمًا كانت الأشياء تسافر، فسافرت أرض في دمانا ولم تعد”، هكذا كان يفكر المثقف وهو يغادر أرض الوطن منفيًا أو مضطرًا أو مصابًا بمرض عضال لا قدر الله. كان يبكي وهو في مطار بلاده عندما يغادر لآخر مرة، عندما يترك خلفه أثره الوثير، وحلمه الكبير، وذكرياته. كانت الدموع عزيزة والأنّات أعز، والوجبات الخفيفة على متن الطائرة المتجهة إلى المهجر تشي بأنه لا ألذ ولا أجمل من وجبة الأم وهي تقدمها على مائدة الإفطار صبيحة كل يوم. رغم ذلك، هجر المثقف وطنه، حياته، صداقاته، وبدأ في البحث عن وطن جديد، عن عادات وتقاليد أخرى، عن شعب يحتسي معه قهوة المساء، ووجبة العشاء، وتقاليد التقاليع الجديدة. من هنا كان لابد أن يرتدي المثقف عباءات البحث عن حياة أفضل، عن لقمة عيش ألذ، عن فراش أرق، وربما عن زوجة ترافقه هموم التفكير العميق في الكون والتاريخ والمجتمع. وبالفعل، بدأ المثقف المغروس في أرضه، والطالع من طبيعتها النبيلة أو مناظرها الخلابة، ليذهب إلى عالم آخر صنوانه “جري الوحوش”، وتجارة الأفكار، وبيع الاسم بأبخس الأسعار. هكذا تراءى لي وأنا أبحث عن هموم المثقف العربي، فلم أجد بينها ما يؤكد على حرية التعبير، على أمانة الكلمة، جميعها.. جميعها توارى خلف الحاجات اليومية لهذا المثقف، كيف يا ترى يعثر على وظيفة ملائمة؟ أين يجد الجهة التي ترعاه وتربي أولاده، وتفي بمتطلباته الإنسانية الأقل من عادية؟ ما هي كلمة السر التي سيلقي بها على مسامع “مغارة علي بابا” لكي تنفتح خزانتها، وتبتسم ثرواتها، فتأتي له الدنيا على طبق من الأفكار الملونة بألف لون، وملايين المحاذير التي تحاول منع “الرجل” الافتراضي من القبول بانتحال شخصية رجل أعمال ماهر مقابل دقائق حداد على القيم الأخلاقية للمثقف بعد أن ووريت الثرى، بل فور أن استقل طائرته المتوجهة إلى مكان مجهول مع سبق الإصرار والترصد؟ إنه المثقف الباحث عن حياة أفضل بعد أن ضاقت الأرض به، وأصبح لزامًا عليه التوجه إلى جزر الأرزاق المكتوبة، ربما يعثر على ضالته المنشودة، أو أرضه الموعودة، أو أحلامه المفقودة، لذا هاجر ملايين المثقفين العرب من مكان لآخر، واستمروا في هجرتهم لبلاد الله، حتى وافتهم المنية، ودفنوا في أرض الله الواسعة، وهم في الأساس كانوا عاقدين العزم على العودة الميمونة إلى أرض الوطن محملين بخزائن الغربة، وثروات الوطن البديل، وكرامات المجتمعات المؤمنة. المثقف العربي يعيش اليوم أسوأ حالاته، من البحث عن فكرة جديرة، إلى النضال من أجل فرصة أخيرة، ومن العودة بعد العمر الافتراضي للهجرة المؤقتة، إلى العودة بعد العمر الافتراضي للعمر كله.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية