أقدام إندونيسيا تخطو نحو الخليج

| عبدالله بوقس

ليست كل الخطى تُقاس بخط الزمن أو تُقرأ من تقارير التجارة، فثمة أقدام تسير بثبات صوب آفاق أوسع، تصنع من الجلد حكاية، ومن الحذاء استراتيجية، ومن المِشْيَة شراكة مدروسة. هكذا تمضي إندونيسيا—لا في صخب المؤتمرات الاقتصادية ولا في صالات العرض الفاخرة—بل في صمت الآلات، ودقة الأيدي العاملة، حيث يُعاد تخطيط النفوذ من قلب الورش إلى أسواق العالم. بحسب هيئة الإحصاء الإندونيسية، سجلت صادرات الأحذية في الربع الأول من عام 2025 نحو 1.89 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 13.8% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وتحتل إندونيسيا اليوم المرتبة السادسة عالميًا بحصة سوقية تبلغ 3.99%، مدعومة بجودة التصنيع وانخفاض التكاليف، مع التزام صارم بالمعايير البيئية والاجتماعية. صناعة الأحذية لا تقوم على الأرباح فقط، بل على الإنسان أيضًا، حيث يعمل في هذا القطاع أكثر من 961 ألف عامل في اندونيسيا، بزيادة سنوية بلغت 3%، ما يجعل الأحذية الإندونيسية سلعة كثيفة العمل، تؤدي دورًا مزدوجًا بين دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل مستدامة. وبين يناير ومايو 2025، تجاوزت الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع 477 مليون دولار أمريكي، وأسهمت في خلق أكثر من 80 ألف وظيفة جديدة. وهذا يعكس ثقة المستثمرين العالميين في قدرة البلاد على توفير بيئة صناعية تنافسية ومستقرة وآمنة سياسيًا. وقد أسهمت جهات حكومية عدة، أبرزها وزارة الصناعة، وهيئة تنمية الصادرات (PEN)، ووكالة BKPM لتنسيق الاستثمارات، في تمكين هذا القطاع من التوسع الخارجي عبر تسهيلات تصديرية، واتفاقيات تجارية ثنائية، واعترافات دولية بشهادات الجودة. ومن خلال هذه الركائز، تتهيأ الأرضية المثلى للتقارب مع دول الخليج، التي تبحث عن شراكات صناعية حقيقية ومستقرة وفعالة، تستجيب لتطلعات الأمن الاقتصادي. من المنظور الخليجي، لا تُمثل الأحذية سوى مدخل إلى شراكات أوسع في قطاعي النسيج والمستلزمات الرياضية. فالمناطق اللوجسيتة والاقتصادية الحرة في البحرين والسعودية والإمارات وقطر مؤهلة لاستقبال مصانع إندونيسية مشتركة، تجمع بين رأس المال الخليجي والخبرة الصناعية الإندونيسية، في إطار تبادل معرفي واقتصادي يعزز الاكتفاء الذاتي ويقلص الاعتماد على الواردات. صناعة الأحذية، في ظاهرها نشاط تقليدي، أما في جوهرها فحركة ذكية صوب مراكز الثقل الجديدة. فبينما تنظر دول الخليج إلى شرق آسيا بحثًا عن موردين ذوي موثوقية، تظهر إندونيسيا كقدم أولى على طريق طويل من التكامل. والأحذية الإندونيسية لم تعد سلعة تُستهلك فحسب، بل باتت رسالة تُرسل، تحمل رموز الكفاءة والاتساق والاستعداد للتكامل الصناعي. إنها دعوة للسير لا في ظل السوق، بل على إيقاعه. خطوات لا تحرّكها الإثارة ولا العجلة، بل تخطيط هادئ يمهّد لتحالفات خليجية–إندونيسية ناضجة، أساسها المصالح لا الوصاية، وميزانها التكامل لا الاستيراد وحده.