المسافات الحضارية

| د. علي بن تميم

في بكين، لا تُقاس المسافة الزمنية بيننا وبين المكان بساعات الطيران، بل بدرجات التداخُل بين الثقافات، وتراكُم البصيرة الحضارية. تلك المدينة التي جمعت في عمرانها بين المعابد والحداثة، بين الخطّ الصيني والرموز الرقمية، قدّمَت لنا درسًا في كيف يمكن للأمم أن تحافظ على روحها وهي تمشي واثقةً في طريق التحديث. بدا أن الصين لا تعيد إنتاج ذاتها فقط، بل تعيد تعريف ما يعنيه أن تكون حضارةً في القرن الحادي والعشرين، وكيف يُمكن للثقافة أن تكون محرّكًا استراتيجيًّا في معادَلة التطور. ومن بين أكثر من سبعين دولة، وفي ظل تظاهرة ثقافية عالمية، كانت أبوظبي حاضرةً في معرض بكين الدولي للكتاب، لا كضيفة عابرة، بل بوصفها شريكًا ثقافيًّا ناضجًا، عميق الصّلة، راسخ الحضور ضمن مشاركة “البيت الإماراتي” الذي استمد فكرته من مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة حفظه الله “بيتنا متوحد”؛ فجاء فضاءً مفتوحًا تقاطع فيه الجمال بالمعرفة، والتقاليد بالابتكار. تأمّلنا في ملامح الجناح الإماراتي كيف اجتمعَت المؤسسات، والناشرون، والفنانون، والموسيقيون، والكتَّاب، تحت مظلّة البيت المتوحّد، متجسّدين في هيئة واحدة لرؤية ثقافية تؤمن أن الثقافة ليست زخارف لمجتمع المعرفة، بل بنيته الأساسية، وأن اللغة هوية، وأن الكتاب جسر آمن لعبور الشعوب نحو التفاهم. ولأن الثقافة لا تقيم في المعارض فقط، بل في قاعات الجامعات، ومدرجات الدرس، ووجوه الطلبة؛ كانت الزيارة لمركز الشيخ زايد لتعليم اللغة العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، ولجامعة اللغات والثقافة، زيارةً إلى ذاكرة ممتدّة من التفاعل الحضاري، وإلى وعود مستقبلية تُبنى على المحبة المتبادَلة والمعرفة المشتركة. هناك، زُرنا الشجرة التي زرعها صاحب السمو رئيس الدولة، والتي بدت رمزًا ثقافيًّا نابضًا بالحياة، تؤكّد أن الغرس الصادق لا ينمو في الأرض فحسب، بل في الوجدان أيضًا. وفي لحظاتٍ خُطّت فيها القصائد بالعربية على ورق صيني، وتجاوَرَت فيها سورة “القدر” بخطّ عربي مع زخارف صينية دقيقة، بدا لنا واضحًا أن العلاقة بين الحضارتين ليست حديثَ عهد، بل امتداد لقرون من المثاقفة، والمراسلات العلمية، والتبادل التجاري والروحي؛ ذلك أن الحضارات الكبرى لا تتجاور بحدودها الجغرافية، بل تتداخل بخيوط المعنى.

وإذا كانت الصين تُراهن اليوم على الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرّك الأهم لعصرها الرقمي، فإن زيارتنا لـ “وادي السيليكون الصيني” كشفت عن تسارُع مذهِل في أدوات التحليل اللغوي، والمعالجة الرقمية، وتطوير البرمجيات. كل ذلك يطرح علينا سؤالًا مُلِحًّا: كيف يمكن للغة العربية، بما تمثّله من إرثٍ جمالي وفكري، أن تجد لنفسها موقعًا فاعلًا في هذه المعادلة التقنية الجديدة؟ إذ لا يكفي أن نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل ينبغي أن نُنتِجَه بلغة نفهمها، وأن نطوّع أدواته لتخدم خصوصياتنا اللسانية والثقافية، وأن نضمن أن تكون العربية قادرة على المشاركة لا على التلقّي فقط. وقد بدا واضحًا أن اللغة، حين تلتقي بالتقنية، يمكن لها أن تُبعث من جديد، لا ككائن تراثي، بل كأداة للإنتاج المعرفي، والبحث العلمي، والإبداع الفني. وفي ذلك تتجلّى مسؤولية المؤسسات الثقافية والعلمية العربية في استدراك ما فات، وفي بناء منظومة رقمية لا تكتفي بترجمة المفاهيم، بل تُعيد صياغتها بروح عربية معاصرة. في ندوة “اللغة العربية والصينية: جسور ومعابر”، كنا شهودًا على لحظة تلاقٍ نوعي، ليس بين لغتين فقط، بل بين رؤيتين للعالم: رؤية تؤمن بأن المعرفة لا تتحدّد بالحدود، وأن الترجمة ليست مجرد جسر بين ضفّتين لغويتين، بل بوابة عبور نحو كرامة الإنسان وفهمه الأعمق لذاته وللآخر. كانت الموسيقى الصينية تحيي المكان، كما لو أنها توقيع هادئ على وثيقة حوار طويل. 

وفي لحظة مسائية بهيّة، اجتمعنا في مطعم “ألف ليلة وليلة” مع مثقفين وصُنّاع قرار ومبرمجين صينيين، وكان الحديث يدور بين تقنيات النشر، ومبادرات الذكاء الاصطناعي، ومشروعات الترجمة المشتركة، وفي خلفية الجدران، كانت صور الكتب تتداخل مع صور المدن، كما لو أن النصوص تُعيد رسم خرائط العالم. في تلك الأمسية أدركنا أن اللغة لا تكتفي بأن تكون وسيلة تواصل، بل تصير جوهر العلاقة بين الشعوب حين تُقرَأ بوعي، ويُحتفى بها بجمال. وعند عودتنا إلى أبوظبي، كنتُ أبحث عن نقطة توازُن بين ما عِشته هناك، وما أحتاج لاستعادته هنا. قصدت النادي الرياضي في جزيرة السعديات، لا رغبةً في بذل الجهد البدني فحسب، بل لإعادة ترتيب الزمن الداخلي الذي أربكته المطارات. هناك، حيث تعود الروح إلى جسدها، كنت أستذكر فلسفة التاو، التي ترى في الحركة المتّزنة سكونًا، وفي السكون المتأمِّل حركة لا تُرى.

وفي المساء، كنت أقلب صفحات كتاب “الخطط الست والثلاثون”، تلك الحيل العسكرية الصينية التي تُشبه في حكمتها أقوال العرب، ووقفت طويلًا عند مقولتين: “اقتُل بالسيف المستعار” و “انسحِبْ لتربح”. الأولى تُحاكي واقعًا عربيًّا تُدار فيه الصراعات بأدوات مستعارة، والثانية تُذكّرنا بأن الحكمة أحيانًا تقتضي أن نتراجع خطوة، لنخطو بعدها بثبات. بين هاتين الفكرتين، ثمّة تأمّل لا بُدّ منه في حال الثقافة العربية، وفي علاقتها بالعالم، وفي قدرتها على إعادة تعريف ذاتها في ضوء التحديات الجديدة. تُشبه هذه الرحلة كثيرًا ما يمرّ به الإنسان حين يعيد اكتشاف نفسه عبر مرآة الآخر، وحين يرى في بكين ملامح من أبوظبي، وفي القصيدة الصينية ظلًّا لبيتٍ عربيّ قديم. ولعلّ المعرض - كفعلٍ ثقافي - لم يكن سوى شاهد جديد على أن اللغة العربية ما زالت قادرة على الحضور، لا بصفتها لغةَ ماضٍ مجيد، بل بوصفها لغة المستقبل الذي نتوق إليه.

 

* رئيس مركز أبوظبي للغة العربية أمين عام جائزة الشيخ زايد للكتاب