البيت العود.. لو يعود!
| فاطمة عادل سند
“البيت العود” تسمية تجسّد حالة تاريخية اجتماعية سادت مجتمع البحرين القديم، وساهمت في تشكّل الهوية الوطنية وتعزيز التماسك والترابط الاجتماعي بين الأجيال. “البيت العود” في معناه الظاهر هو حجم البيت في مساحته الكبيرة وعدد غرفه الكثيرة وملحقاته من حوش وليوان ومجالس.. وفي معناه الباطن هو لمّ شمل الأسرة الممتدة من أجداد وأبناء وأعمام وأبناء أعمام.. إلخ، مع وجود كبير العائلة “العود” القائد والمثل والمرجع لأفراد العائلة الممتدة. في زمننا هذا، وبفضل التحضر والازدهار والنمو الاقتصادي اتسعت مساحة بعض البيوت الحديثة، لكن هل حافظت على عادات “البيت العود” وقيمه ورمزيّته؟ استحضرت هذه الخواطر في مناسبة حزينة مؤلمة؛ حيث تجمعت العائلة في عزاء ابن عم والدي “سلمان سند” رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة وألهم ذويه الصبر والسلوان. وأخذت أتأمل العائلة الممتدة حتى ذهلت؛ فكيف جمعنا جدي جاسم وأخوه سند أبناء محمد سند في “البيت العود” جميعًا الواقع على مسار اللؤلؤ في كنف أم المدن؟ هذا “البيت العود” الذي عشت فيه إلى أن أكملت المرحلة الثانوية، لم يكن مجرد بيت، إنما كان مدرسة للحياة الاجتماعية تأصّلت فيه هويّتنا البحرينية وتعزّزت فيه قيمنا العربية الإسلامية وعلى رأسها صلة الرحم والتسامح وتقبل الآخر والمرونة والتكيف مع مختلف تحديات الحياة. ونعجز اليوم عن نقل هذه الخبرة إلى أبنائنا بالتلقين أو التأنيب؛ لأنها تتشكل بالممارسة والقدوة. الحقيقة مؤلمة؛ فنمط حياتنا اليوم وما انتقلنا إليه من استقلالية مستوردة أفقدنا كثيرًا من ميزات البيت العود. وقد تجتهد العائلة للقاء يتيم، مرة واحدة أسبوعيًّا، غالبًا ما يكون في يوم الجمعة، وربما بحضور حد أدنى من أفراد العائلة، ولحد أدنى من الساعات. وهذا لا يساعد أبدًا على تعلم مهارات العيش معًا والمسؤولية التشاركية أو اكتساب المخزون اللغوي والمعنوي للهوية البحرينية، ولا يوثق أواصر العلاقات التي باتت سطحية. بل تجد عزوفًا لدى العديد من الناس عن الجمعات والعزائم العائلية، وترى أكبر البيوت وأجملها موصدة الأبواب لم تتجمع العائلة فيها يومًا واحدًا. فللأسف؛ بقدر ما اتسعت البيوت وزادت الإمكانيات، ضاقت القلوب وضعفت العزيمة. لقد نهل جيلنا من خبرة العيش في “البيت العود” وتغذّى من قيمه ومبادئه فساهم ذلك إيجابيًّا في صقل شخصياتنا، لذا نأمل أن نعيد إحياء “البيت العود” حتى يُتاح لأبنائنا ما أُتيح لنا من فرص وموارد.
*كاتبة بحرينية وباحثة قانونية