المايسترو مبارك نجم.. المتألق المتجدد
| زهير توفيقي
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتسابق فيه الأحداث، تبقى الثقافة النغمة الهادئة التي تعيد للروح توازنها، وللذائقة إنسانيتها. ليست الثقافة ترفًا كما يظن البعض، بل ضرورة، لأنها ما يبقى حين ينقشع الضجيج، وهي ما يصوغ شخصية الفرد والمجتمع على حدّ سواء. ومن حسن حظنا في البحرين أننا نعيش في بيئة تحرص فيها المؤسسات الثقافية على ترسيخ هذا المفهوم من خلال مبادرات نوعية وفعاليات رفيعة المستوى، من أبرزها موسم ربيع الثقافة الذي تنظمه هيئة البحرين للثقافة والآثار. هذا الموسم، وعلى امتداد سنواته، أثبت أنه ليس مجرد مهرجان فني، بل منصة حقيقية لعرض الإبداع بمختلف أشكاله، وفرصة للجمهور كي يلتقي بالفن الأصيل في أجواء راقية، سواء من خلال المعارض التشكيلية، أو المسرح، أو العروض الموسيقية التي أضحت ركنًا أساسًا من أركان هذا الربيع الثقافي. وقد كان لي لقاء مع واحدة من أجمل هذه الفعاليات، عبر حضوري حفل أوركسترا البحرين الفيلهارمونية بقيادة المايسترو مبارك نجم، في قاعة المتحف الوطني. الأمسية التي جاءت تحت عنوان “موسيقى متحرّكة” كانت أكثر من مجرد عرض موسيقي، بل كانت احتفالًا بالموسيقى باعتبارها لغة عالمية تتجاوز الحواجز، وتخاطب المشاعر قبل العقول. ما يميّز الدكتور مبارك نجم، وهو المعروف في الأوساط الفنية والثقافية في البحرين وخارجها، ليس براعته الموسيقية وتمكنه الأكاديمي فحسب، بل قدرته على الجمع بين الانضباط الفني والروح الإنسانية. هو ليس مجرد مايسترو يقود الأوركسترا، بل قائد فني يمتلك رؤية واضحة في توظيف الموسيقى كأداة للارتقاء بالمجتمع. وما شدّني في هذه الأمسية تحديدًا، أنه لم يكتفِ بتقديم مقطوعات موسيقية جميلة أو قيادة محترفة للأوركسترا، بل ضمّن العرض رسالة تربوية واجتماعية عبر إشراك مجموعة من الفنانين البحرينيين من فئة الشباب الذين عزفوا جنبًا إلى جنب مع العازفين المحترفين. لم يكن الأمر مجرّد مجاملة أو ظهور رمزي، بل مشاركة حقيقية تعكس إيمان الدكتور مبارك بأن الفن لا يكتمل إلا حين ينتقل من جيل إلى آخر، وأن الموهبة الشابة تحتاج إلى منصة حقيقية كي تُصقل وتبرز. هذه اللفتة، في رأيي، تمثل قمة في المسؤولية الوطنية والثقافية، وتُحسب لهذا الفنان الكبير، لأنها تعبّر عن وعيه العميق بأهمية بناء قاعدة فنية مستدامة. فنجد الكثير من الفنانين يبدعون في مجالاتهم، لكن القليل منهم يدرك أن القيمة الحقيقية تكمن في تمكين الآخرين، وفي إتاحة الفرص لمن بعدهم كي يواصلوا المسيرة ويضيفوا عليها من إبداعهم. لقد بدا واضحًا خلال الحفل أن الشباب المشاركين وجدوا مساحة حقيقية للتعبير عن أنفسهم، وأنهم كانوا محاطين بالتقدير والتشجيع. وهذا ما يجب أن تُبنى عليه السياسات الثقافية والتعليمية عمومًا: أن نمنح الشباب الثقة، وأن نتيح لهم فرصًا واقعية للتعلم من خلال الممارسة والانخراط في الفعل الإبداعي. ما فعله الدكتور مبارك نجم في هذه الأمسية ليس استثناءً، بل هو امتداد لنهجه المعروف، ومسيرته الطويلة في خدمة الفن البحريني، سواء عبر قيادته الأوركسترا، أو من خلال جهوده في التعليم والتدريب، أو حتى حضوره الإعلامي الدائم الذي يسهم في تعزيز الوعي الموسيقي لدى الجمهور.
إننا بحاجة إلى تسليط الضوء على مثل هذه النماذج، لا بوصفها حالات فردية ناجحة فقط، بل باعتبارها أمثلة يمكن البناء عليها، ودعوتها للمشاركة في صياغة السياسات الثقافية ودعم المبادرات الشبابية. لأن الثقافة لا تزدهر فقط بالمواهب، بل بمن يمنح تلك المواهب الثقة والمساحة والوقت كي تنمو. في الختام، تحية تقدير وامتنان لهذا الفنان المبدع، المايسترو مبارك نجم، ولكل من يشبهه من أهل الفن والعطاء، ممن لا يكتفون بالتميز الفردي، بل يعملون على خلق بيئة حاضنة للإبداع، ويمدّون الجسور بين الأجيال ليبقى الفن حيًّا ومتجددًا.
*كاتب وإعلامي بحريني