خمسة وستون عاما.. والرحلة مستمرة

| زهير توفيقي

 في الأول من يوليو بلغت من العمر خمسة وستين، لحظة زمنية مليئة بالذكريات الجميلة والحزينة، وغنية بالدروس، والمحطات. ليست مجرد محطة عمرية تُضاف إلى سجل الحياة فحسب، بل هي مناسبة للتأمل في رحلة امتدت بين مقاعد الدراسة وأروقة العمل، بين الطموح والتحدي، وبين العناء والمتعة.  بدأت هذه الرحلة في فصول المدرسة، حيث تعلمتُ الحروف الأولى، وهناك تفتحت عيناي على معنى الالتزام والانضباط. ثم انتقلت إلى مقاعد الجامعة، وازدادت الأحلام اتساعًا. لم يكن الطريق سهلًا أو مفروشًا بالورود، لكنه كان ممتعًا رغم صعوبته، وكان محفوفًا بالتحديات والمخاطر التي صنعت شخصيتي، وبالنجاحات التي صقلت ثقتي، وبالإخفاقات التي علمتني كيف أنهض وأبدأ من جديد. على مدار 38 عامًا في مواقع العمل المختلفة، اختبرت الكثير. فرأيت كيف يُصنع النجاح بالصبر، وكيف تُبنى الثقة بالاجتهاد، وكيف أن الرضا الحقيقي لا يأتي من الترقيات وحدها، بل من الإخلاص في أداء الواجب والمثابرة، ومن أثر العمل حين يكون نافعًا للناس. ولم تكن نهاية هذه المسيرة المهنية تقاعدًا عن العطاء، بل كانت بداية لمرحلة جديدة ومختلفة المعالم، وجدت فيها شغفي الأصيل لمواصلة الكتابة، ومزاولة الكثير من الأنشطة والهوايات التي كانت محدودة جدًّا بسبب انشغالي بالعمل.  قبل عشر سنوات بدأت مشواري الرسمي في الكتابة الصحافية، عبر عمودي الأسبوعي في جريدة “البلاد”، حيث وجدت في الكلمة وسيلة للتعبير، وأداة للمساهمة في رفع الوعي وخدمة المجتمع. كانت الكتابة لي امتدادًا طبيعيًّا لمسيرة التفكير والعمل، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتي، وعشقًا أمارسه بشغف ومسؤولية. وفي شهر مايو الماضي، تشرفت بتدشين كتابي الأول “روح القانون”، والذي ضم بين صفحاته خلاصة سنوات من التجربة والرؤية، واعتبرته علامة فارقة في هذه الرحلة. وأدعو الله أن يسبغ عليَّ ثياب الصحة والعافية، لأواصل هذا المشوار الذي يعني لي الكثير، متمنيًا أن أسهم من خلاله – ولو بقدر بسيط – في رفعة وطننا الغالي، وخدمة قيادته الرشيدة، وشعبه الأبي الكريم. اليوم، وأنا أطوي صفحة عمرٍ حافل، أشعر بالامتنان لما مضى، وأشعر بالمسؤولية لأن أقول كلمة أظنها مهمة لمن هم في بدايات الطريق.  للشباب من الجنسين، أنصحكم بأن تتعلموا بجد، وتعملوا بإخلاص، وأن لا تغرنّكم المظاهر أو الوعود السريعة. اسعوا للتميّز، لا للنجومية. واصنعوا لأنفسكم مسارًا من القيم قبل المهارات، فالأمم لا تُبنى بالعلم وحده، بل بالأخلاق التي تحمله. كما قال الشاعر الكبير أحمد شوقي: “وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا”. فليست الأخلاق مجرد رفاهية، بل هي أساس في كل علاقة، وكل وظيفة، وكل مسؤولية. الصدق، والأمانة، واحترام الوقت، واحترام الناس، والتواضع، واحترام النفس.. فهذه ليست خيارات، بل ضرورات في زمنٍ باتت فيه الضوضاء تغطي الجوهر. لا شك وأنا في الخامسة والستين، مازلت أتعلم، ومازلت أؤمن بأن العطاء لا يرتبط بعمر معين، بل بروح لا تشيخ. داعيًا الله عز وجل أن يمنحني القوة والصحة لأواصل ما بدأت، ولو بالكلمة. ولا تنسوا العبارة الشهيرة “الحياة تبدأ في سن الأربعين.. أقصد الستين” (النسخة المعدلة من قبل كاتب المقال). فهذه العبارة ‘Life begins at Forty’ قد نُسبت لأول مرة إلى الكاتب الأميركي والتر بيتمان (Walter B. Pitkin)، الذي ألّف كتابًا بهذا العنوان عام 1932.  والسؤال الذي يطرح نفسه.. هل تتفقون مع الكاتب الأميركي أو مع الكاتب البحريني.

كاتب وإعلامي بحريني