القصيدة التي أعادت إليّ ظلي
| د. بثينة خليفة قاسم
إلى تلك الطفلة التي لا تزال تتذكر الطريق… وتمضي فيه دون أن تلتفت.
بعض القصائد لا تُقرأ فقط.. بل تُزرع، كما الذكريات التي تتكوّن تدريجيًا على أطراف النسيان،
أو كالزهور التي تنبت بين حجارة الصمت.
قصيده “يا الحالة” للشاعر البحريني الكبير إبراهيم الأنصاري لم تكن مجرّد نص أعاد تقديمه بعد سنوات، بل كانت انكشافًا هزّ ذاكرتي كما يهز حجر صغير سطح بركة قديمة، واتّسعت الدوائر شيئًا فشيئًا، حتى وجدتني مغمورة بضحكة طفولتي القديمة.
منذ كنت صغيرة، كنت أهمس بلحن “إخوان تقولين” دون أن أدرك أن كاتبها سيأتي يومًا ويكتبني..
وها هو يفعل، دون قصد. قصيدته التي عُرفت سابقًا بـ " ربينا صغار"، أو” يا الدانة”، ثم وُلدت من جديد باسم “يا الحالة”، لم تكن مجرّد قصيدة. كانت مرآة. مرآة نظرت إليّ من بين السطور، وهمست لي: “عودي.”
في " حاله بوماهر"، حيث وُلدت أمي فاطمة، خطوت خطواتي الأولى.. كان صوت جدتي "شريفة بنت علي" يرنّ في الفجر، وكانت رائحة الهيل والزعفران تفوح من قدور الكرم في صباحات البيت.
يقابل بيت جدي "محمد بن يوسف المقلة الكواري"، بيت "تاج بنت عيسى المقلة"، حيث كان بيتها مفتوحا للقاصي والداني، وكرمها يغطي أرجاء الحالة. وبين بيت جدي وبيت أخيه "يعقوب بن يوسف المقلة"، كانت هناك نافذة صغيرة "دريشة” كأنها ممرّ خفيّ بين نبضتين من قلبٍ واحد.
وهناك، في الحد – جنوبها تحديدًا، في بيت جدتي لأبي، كنت أركض بين الدواعيس، أركض وأضحك، وتضحك من خلفي الأغنام… بلا سبب، أو ربما لأن الحياة حينها، ببساطتها، كانت تستحق الركض!
طفولتي لم تكن ساكنة في موضع واحد، تجولت بين ركنين من البحرين، لكن قلبي لم ينقسم.
كان حنيني محفوظًا، وعميقًا.
وربما لهذا، حين سمعت القصيدة مجددًا بصيغتها الجديدة، لم أحتج تفسيرًا. الكلمات كانت تعرفني.. تعرف وجهي حين كان صغيرًا، وخطوتي قبل أن تتعرف على رصيف الإسفلت.
ثم جاءت القصيدة، لا لتُذكّرني، بل لتُشعرني.. لا لأفكّر، بل لأرتجف.
وفجأة.. وجدتني طفلة من جديد.
لا أمسك قلمي، بل أركض خلف ظلي..
لم أكن بحاجة لأن أفهم متى كُتبت،
أو كم مرة غُيّر عنوانها.. كل ما كنت أعلمه أن شيئًا في هذه القصيدة يعرفني. يعرف تلك الطفلة التي لا تزال تعيش داخلي، وطرق بابها بلطف.
إبراهيم الأنصاري ليس مجرد شاعر يكتب القصائد، بل هو شاعر يُجيد استدعاء الذاكرة دون أن يعتذر عن كل ما يثيره الحنين.
شاعر يؤمن أن القصيدة لا تُكشف مرة واحدة، بل تُزرع، وتُسقى، وتُقطف، حين يحين الوقت.
وها أنا أكتب، لا عنه، بل عني.
لا عن قصيدته، بل عن قلبي.
عن طفولتي… ومراهقتي… وأجمل ذكرياتي. عن تلك التي كنتها،
وربما، في أعماقي، لم أتخلَّ عنها أبدًا.. القصيدة كتبتني، وقرأتني، وتهجّتني… بيتًا بيتًا.
وربما في كل من مرّ بهذه القصيدة،
ما زال يعيش شيء صغير من ذلك الطفل الذي ظن أنه نسي.. ثم ابتسم من جديد، دون أن يعرف لماذا؟
وربما لم تكن القصيدة تحاول قول كل شيء، ربما كانت فقط تمرّ بي،
كما يمر نسيم قيلولة صيف،
يحرك الغبار عن وجهٍ ظننته نسي الطفولة، ثم يتركني في لحظة صمت..
لا أعلم فيها إن كنت قد ابتسمت،
أم كنت على وشك البكاء.
وفي تلك اللحظة، همس في داخلي صوت خافت:
هل كنت أنا من يقرأ القصيدة؟
أم أن القصيدة كانت تتذكرني؟