بعد خمس سنوات.. هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المحاضِر؟

| د.حورية الديري

في السنوات القليلة الماضية، تسلّل الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا بخفة، ثم تمدد فجأة إلى كل زاوية من زوايا العمل، والإعلام، والطب، وها هو اليوم يطرق أبواب التعليم العالي بقوة لا يمكن تجاهلها. فكيف سيكون شكل المناهج الجامعية بعد خمس سنوات في ظل هذا التقدم المتسارع؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة من “الذكاء الأكاديمي المؤتمت”؟ لن يكون التغيير مجرد إدخال أدوات ذكاء اصطناعي إلى الفصول الدراسية أو تصميم منصة إلكترونية تفاعلية، بل سيمتد إلى إعادة تعريف المنهج نفسه: مضمونه، طرق عرضه، أساليب تقييمه، بل وحتى العلاقة بين الطالب والأستاذ. الذكاء الاصطناعي لا يقدم مجرد محتوى، بل يصممه بطريقة مخصصة لكل طالب، بناءً على تفضيلاته وسرعته في التعلم، ونقاط ضعفه وقوته. بعد خمس سنوات، لن يُدرّس الطلبة محتوى واحدًا، بل ستتولد لهم نسخ مختلفة من المادة الواحدة، تتغير لحظيًّا بحسب تحليل الأداء والتفاعل. ستحل الخوارزميات محل المقررات الثابتة، وسيتحول الأستاذ إلى مصمم مسار تعليمي وموجّه ذكي، أكثر من كونه ملقيًا تقليديًّا. ولن يقف الأمر عند هذا الحد، فالمناهج ستُبنى بالاستناد إلى بيانات ضخمة عن احتياجات سوق العمل الفعلية، بل وستتنبأ المهارات المطلوبة في المستقبل، ما يعني أن التعليم لن يسبق سوق العمل فحسب، بل سيسابقه أيضًا. أدوات مثل “ChatGPT” و”Copilot” و”Claude” وغيرها، لن تكون مجرد وسائل مساعدة، بل ستكون أركان رئيسة في إنتاج الأفكار، وتصحيح البحوث، وتوسيع آفاق التحليل. لكن السؤال الجوهري الذي يراودنا: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الأستاذ الجامعي؟ الجواب ليس بهذه البساطة.  فبينما يتفوق الذكاء الاصطناعي في التنظيم، والسرعة، والتخصيص، إلا أنه يفتقر إلى الحدس التربوي، والقيادة الفكرية، والحوار القيمي. لا يمكن للآلة أن تغرس الشغف، أو أن تستشعر التحولات النفسية التي يمر بها طالب جامعي يعيش قلق الهوية، أو يبحث عن معنى. المستقبل يحمل ملامح تعاون لا صراع. أدوار جديدة ستولد لأعضاء هيئة التدريس، تشمل الإشراف على الجودة الأخلاقية للمحتوى، تدريب الطلبة على التفكير النقدي في ظل طوفان المعلومة، وتوجيههم نحو الاستخدام الواعي للتقنية. ولعل التحدي الأكبر الذي سيواجه الجامعات العربية - ومنها جامعاتنا في البحرين - هو بناء أطر تشريعية وأخلاقية تحكم هذا الانتقال. كيف نضمن عدالة الوصول؟ كيف نحمي الخصوصية؟ كيف نمنع طمس الهوية الأكاديمية للطالب؟ الذكاء الاصطناعي قادم بقوة، فهل نحن مستعدون للانتقال من “التلقين” إلى “التفكير”، وضمن “نقل المعرفة” إلى “صناعتها”؟.

كاتبة وأكاديمية بحرينية