الفسخ.. بين سلطة النص وتقدير القاضي
| د. أحمد فريد
يُعد العقد شريعة المتعاقدين، يلتزم بموجبه كل طرف بتنفيذ ما تعهد به دون إخلال، ويُفترض أن يتم التنفيذ بحسن نية وبما يحقق الغرض من التعاقد، إلا أن واقع المعاملات يكشف أن الإخلال بالالتزامات التعاقدية أمر لا مفر منه في كثير من الأحيان، ما يضع الطرف الملتزم أمام تساؤل قانوني مشروع ماهو سبيل الخروج من هذا العقد الذي لم يُنفذ على الوجه المتفق عليه؟ هنا يبرز نظام الفسخ كأداة قانونية جوهرية تُعيد التوازن وتحمي الطرف غير المخل.
والفسخ – في أبسط تعريفاته – هو حل العقد بأثر رجعي نتيجة إخلال أحد الطرفين بالتزامه، بحيث يُصبح من غير المجدي استمرار العقد على حاله، هذا الإخلال لا يكون أيّاً كان، بل يجب أن يكون إخلالاً جوهرياً يمس صميم التزامات العقد ويفقد الطرف الآخر الفائدة المرجوة من التعاقد، وقد أفرد المشّرع المصري لهذا النظام نص المادة (157) من القانون المدني، التي قررت أنه في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوفِ أحد المتعاقدين بالتزامه، جاز للمتعاقد الآخر – بعد إعذاره – أن يطلب فسخ العقد، مع التعويض إن كان له مقتضى.
ويُفرق الفقه والقضاء بين نوعين من الفسخ، الفسخ القضائي، والفسخ الاتفاقي، أما الفسخ القضائي، فهو الطريق الطبيعي لإنهاء العقد نتيجة الإخلال، ويتم ذلك بطلب يُقدم إلى المحكمة المختصة بعد توجيه إنذار رسمي للطرف المخل، يُمهله لتنفيذ التزامه، وهنا تكون سلطة القاضي سلطة تقديرية واسعة، فهو من يقدّر ما إذا كان الإخلال يستدعي الفسخ أم لا، وقد يمنح المدين مهلة إضافية إذا تبين له أن ذلك أكثر ملاءمة للعدالة، ويشترط لقبول دعوى الفسخ أن يكون العقد من العقود الملزمة للجانبين، وأن يكون هناك التزام جوهري أُخِل به، وأن يكون الإعذار قد وُجه على النحو القانوني.
أما الفسخ الاتفاقي، فهو صورة أكثر مرونة وأسرع في التطبيق، ويتمثل في اتفاق الطرفين – وقت التعاقد – على أن العقد يُعد مفسوخاً تلقائياً إذا أخل أحدهما بالتزام معين، هذا الاتفاق يُعفي الطرف غير المخل من اللجوء إلى القضاء، ويُعطيه الحق في إعلان الفسخ فور تحقق الشرط دون حاجة إلى إنذار أو إنذار رسمي، بشرط أن يكون الشرط واضحاً وصريحاً في العقد، ويُشترط في الفسخ الاتفاقي ألا يُخالف النظام العام، وألا يكون مشوباً بالغموض أو التعسف.
ورغم أن هذا الشرط – في ظاهره – يسلب القاضي كل سلطة تقديرية في تقرير الفسخ، إلا أن محكمة النقض المصرية وضعت ضوابط دقيقة لمشروعية إعماله، ومناط الالتفات عنه، وهو ما أكدته في عدد من أحكامها المستقرة، مما يجعل الفسخ الاتفاقي محكوماً برقابة قضائية لا يمكن التنازل عنها.
ففي الطعن رقم 1661 لسنة 51 ق، قضت محكمة النقض بأنه وإن كان الاتفاق على الفسخ التلقائي يسلب القاضي سلطة التقدير، إلا أن إعمال هذا الشرط مرهون بتحقق المحكمة من توافر شروطه المادية والموضوعية، ويقع على عاتق القاضي واجب التثبت من انطباقه نصاً وروحاً على الوقائع، والتحقق مما إذا كان الطرف الدائن قد أسقط حقه صراحة أو ضمنًا في المطالبة بالفسخ، كأن يقبل تنفيذًا متأخراً أو يتعامل مع العقد بعد تاريخ الإخلال، بما يُعد تنازلًا ضمنياً عن الشرط الفاسخ.
وأعادت محكمة النقض تأكيد هذه القاعدة في الطعن رقم 1231 لسنة 58 ق، حين قررت أن الشرط الفاسخ لا يُفعل إذا كان الامتناع عن التنفيذ من جانب المدين مبرراً، مثل حالة التمسك المشروع بالدفع بعدم التنفيذ، أو إذا كان هناك إخلال متبادل، فإذا أثبت المدين وجود عجز في محل التعاقد، أو إخلالاً من الدائن، فإن القاضي يلتفت عن الشرط الفاسخ ويخضع المسألة لأحكام الفسخ القضائي.
كما أوضحت محكمة النقض في طعنها رقم 1920 لسنة 51 ق، أن مجرد ورود شرط الفسخ صراحة في العقد لا يعفي المحكمة من بحث الظروف الخارجية المحيطة بالعقد والتي قد تحول دون إعمال الشرط، كأن يكون الدائن ذاته قد تسبب في الإخلال، أو حال دون تنفيذ الالتزام، وفي هذه الحالات لا يُتصور تحميل المدين مسؤولية الفسخ، ويُعتبر إعمال الشرط الفاسخ في غير محله القانوني.
وهكذا يتضح أن محكمة النقض لم تنكر فاعلية الشرط الفاسخ الصريح، لكنها أخرجته من كونه نصاً جامداً إلى كونه وسيلة مقيدة بشروط ومراقبة قضائية دقيقة، حماية للتوازن العقدي، ومنعاً لتحول النصوص الاتفاقية إلى أداة تعسف أو ضغط على أحد الطرفين.
ويترتب على الفسخ، سواء كان قضائياً أو اتفاقياً، ذات الأثر القانوني وهو انحلال العقد بأثر رجعي، كأن لم يكن، مما يُوجب على كل طرف رد ما تسلمه إلى الآخر، ويجوز فوق ذلك المطالبة بالتعويض إذا ترتب على الإخلال ضرر مادي أو معنوي ويُراعى أن الفسخ لا يمتد إلى العقود الزمنية التي تم تنفيذها كلياً، وإنما يكون أثره مقصوراً على المستقبل ما لم يُتفق على خلاف ذلك.
والواقع العملي يُبرز أهمية النص على بند صريح للفسخ الاتفاقي ضمن بنود العقد، لا سيما في عقود الإيجار، المقاولات، والبيع بالتقسيط، حيث تُعد هذه الصيغة ضمانة للطرفين في حال حدوث إخلال، وتُغني عن مشقة التقاضي وإطالة أمد النزاع.
والفسخ إذن – سواء كان قضاءً أو اتفاقاً – هو تجسيد لفكرة العدالة العقدية، التي لا تُجبر طرفاً على الاستمرار في علاقة قانونية لم تعد تحقق له مصلحة مشروعة وبين سلطة القاضي وتوافق الأطراف، تتوازن الحقوق، وتُحمى النوايا الحسنة، ويُعاد للعقد مكانته كأداة لتحقيق مصالح متبادلة، لا أداة للتعسف والإجبار.
*مستشار قانوني ومحامٍ بمحكمة النقض المصرية