حرب الـ 12 يوما.. بداية صراع وجودي
| أحمد جعفر
انتهت المواجهة بين إسرائيل وإيران بعد 12 يومًا من الهجمات المتبادلة، لكن صفحة الحرب يبدو أنها لم تغلق تمامًا، ورغم أن نتائج القتال لم تحسم حتى الآن، خرج الطرفان من أول مواجهة مباشرة بينهما بعد سنوات من حرب الظل، وكل منهما يدعي النصر التاريخي. إسرائيل التي دخلت الحرب بشكل مباغت في عملية أطلقت عليها اسم “الأسد الصاعد”، كانت تهدف أساسًا إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني حتى لا تتمكن طهران من تطوير أسلحة دمار شامل، لاسيما وأن العقيدة الإيرانية تدعو لمحو الدولة العبرية. ومع ذلك، فإن الضربات الإسرائيلية شملت أهدافًا عسكرية أخرى خلاف المنشآت النووية، فضلًا عن اغتيال الصف الأول والثاني من قادة الحرس الثوري، فيما تحدثت إسرائيل لاحقًا عن فكرة إسقاط النظام. وبالعودة إلى الحرب التي دخلت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر للمرة الأولى بقصف المنشآت النووية الإيرانية، فإن الجدل لا يزال يدور حول مدى تضرر المواقع الثلاثة الرئيسة (فوردو، نطنز، وأصفهان). شبكة “سي إن إن” وصحيفة “نيويورك تايمز” ومنافذ إخبارية أميركية أخرى، نقلت عن تقرير سري لوكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية استنتاجًا مبدئيًّا مفاده أن الضربات الجوية الأميركية باستخدام القنابل الخارقة للتحصينات (بانكر باستر)، لم تنهِ البنية الأساسية للبرنامج، ولم تقترب من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب المخبأ في منشأة سرية، والذي يُقدر بحوالي 400 كيلوغرام، وأن كل ما تحقق، بحسب التقرير المسرب، هو تأخير محتمل لبضعة أشهر فقط. ويمكن لهذه الكمية من اليورانيوم صناعة 9 قنابل نووية إذا ما استكملت إيران تخصيبها لدرجة نقاء تصل إلى 90 بالمئة لكن مصادر مستقلة أخرى، بما في ذلك معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث متخصص في منع الانتشار النووي ويدرس منذ زمن طويل البرنامج النووي الإيراني، قدّر أنه من المرجح بشدة أن الضربات دمرت أو ألحقت أضرارًا بمعظم أجهزة الطرد المركزي في منشأة فوردو، وذلك استنادًا إلى مواقع التأثير وموجات الانفجار. ومن اللافت في سياق التقييمات الأميركية المسربة، أن المعهد لم يستند في تقييمه للأضرار إلى ما إذا كانت المنشآت قد انهارت أم لا. وأظهرت التقييمات الإسرائيلية المبكرة ثقة أكبر في حجم الأضرار التي لحقت بمنشآت التخصيب، حيث قيمت هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية أن الضربة الأميركية على فوردو تحديدًا، دمرت البنية التحتية الحيوية للموقع و”جعلت منشأة التخصيب غير قابلة للتشغيل”. ولو افترضنا أن الضربات عطلت عملية تخصيب اليورانيوم لفترة من الزمن، فإن الحرب قطعًا لم تدمر البرنامج النووي بالكامل على أساس أن المعرفة العلمية لا تزال موجودة، كما أنها لم تسفر عن إبرام اتفاق دبلوماسي جديد يمنع طهران من تطوير السلاح النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. بل على العكس، إيران التي استطاعت امتصاص الهجوم المفاجئ سريعًا، أصبحت الآن أكثر تصميمًا على تحصين برنامجها النووي، وأكثر استعدادًا ربما لتطوير السلاح الذي لطالما نفت سعيها لامتلاكه وذلك عقب تلميحات بإمكانية انسحاب البلاد من معاهدة حظر الانتشار النووي، والإعلان عن عدم التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، التي تطالب بزيارة تفقدية للمنشآت. وبالتالي، فإن الحرب لم تنهِ جوهر هذه الأزمة، ما يعني أن وقف إطلاق النار وإن طال أمده، فإنه ليس سوى استراحة للجولة التالية من حرب وجودية، خصوصًا حال عدم وصول واشنطن وطهران لاتفاق.
كاتب بحريني