بلطجة السياسة وسياسة البلطجة

| كمال الذيب

 بلطجة السياسة تعني - فيما تعنيه - إخراج السياسة من معنى إدارة الأمور بالرفق واللين والحكمة لتنظيم شؤون الحياة، بما يحقق للإنسان إنسانيته وكرامته، إلى همجية القوة والجبروت. أما سياسة البلطجة فهي الصفة التي تحتكرها الدول التي تمتلك القوة الزائدة خارج قوة المنطق، فتلجأ إلى استخدام فائض القوة، خروجًا عن القانون وعلى ما تواضع عليه البشر من قيم وضوابط تم الاتفاق عليها لاستقرار الاجتماع البشري، خصوصًا بعد ما شهدته البشرية من أهوال الحربين العالميتين الأولى والثانية. سياسة البلطجة تحولت إلى قاعدة تتزين بالأكاذيب والترهات والخداع استنادًا إلى سرديات من نوع: (المتحضرون في مواجهة المتوحشين، والخيرون في مواجهة الأشرار، والحديقة في مواجهة الغابة). وهكذا أصبحت هذه المقابلات القاعدة المؤسسة للبلطجة السياسية، فتراجعت الأمم المتحدة والقواعد المنظمة للعلاقات الدولية ورجع العالم سريعًا إلى قانون الغاب. وبدا واضحًا أن الأقوياء هم الفائزون على الدوام في منازلات البلطجة الدولية، ولن ينفع الدول مطلقًا أن تكون مسالمة ومحبة للسلام ومحترمة للقانون الدولي، فالبلطجي لا يرى في ذلك إلا ضعفًا يشجعه على العربدة. وتبدو السياسة الإسرائيلية في غزة - على سبيل المثال ومهما قدمت من تبريرات - نموذجًا صارخًا للبلطجة السياسية والعسكرية، فلا أحد تقريبًا يمكن أن يقبل سرديتها حتى من بين بعض داعميها. ولا أحد تقريبًا يتفهم مستوى هذه الوحشية الممارسة ضد الفلسطينيين في غزة، إلا بالعودة إلى عصر الرمح والنشاب، عصر ما قبل القانون وما قبل الدولة وما قبل الحضارة. إن هذا الموقف الثأري أوصل إلى الإبادة الجماعية التي نراها منقولة على الهواء وفتح النار على النساء والأطفال وسط الحشود المنتظرة للحصول على بعض الغذاء والماء. وهذا ليس ترجمة لمنطق القوة الغاشمة المعتدة بتفوقها فحسب، بل هو احتقار للإنسان في جوهره وفي حاجاته وحقوقه الأساسية. وهذا يرجع إلى مفهوم للحياة هو بمثابة نفي للمجتمع الإنساني. ومع ذلك، فإن هذه البلطجة السياسية، لم تفض إلى إخضاع الشعب الفلسطيني أو استسلامه، بل زادت من تشبثه بأرضه وحقوقه المشروعة التي لا يمكن أن يقبل بأقل منها، ولذلك فإن عدم الاعتراف بهذه الحقيقة، لن يفضي سوى إلى المزيد من المواجهات والمعاناة مهما طال الزمن.

كاتب وإعلامي بحريني