خربشة ومغزى.. "الحِرْبائية.. ثقافة تلوَّن وغِيلَة"
| احمد عبدالله الحسين
الحربائية ثقافة تلوّن وغِيلة، تطال أفراد ومجتمعات ودول، أخذت صفتها من دُوَيْبَّة نحو العَظَاءة، أي جنس من السحالي زاحفة ذات قوائم أربع دقيقة الرأس مخططة الظهر، حين تستقبل الشمس برأسها تكون معها كيف دارت ليقي جسدها برأسه، ويتلوّن ألوّانا بَحرِّ الشمس. وتسمى الأنثى حِرْباءة، ومن طبيعتها أن ساقها لا يُفارق غصن الشجرة الأول، حتى يثبت على غصن آخر، ولهذا العرب تقول أنتصب العود في الحِرباء، وإنما هو انتصب الحِرباء في العود، وذلك أن الحِرباء ينتصب على حجارة، وعلى أجذال شجر يستقبل الشمس، فإذا زالت زال معها مقابلا لها.
إناث الحِرابي يُقال لها: أمهات حبين، والواحدة أم حبين، وهي قذرة لا تأكلها العرب بتَّة. وإذا ذُكر جماعة ذات حِراب تعني كتيبة ذات انتهاب واستلاب. ومنه قيل احْرنْبَى الرجل أي تهيأ للغضب والشر. أما وصف المثل مُتَقَلِّبٌ كالحِرْباءِ، فهذا يُقالُ لمن لا يثبت على حالٍ.
الحِربائية لها مندوحة وصف عند البشر لمن تلوَّن وموَّه وخَدع بسوء طويَّة وغِيلة. ولعلّ مجاز تشبيه أصحاب هذا الصنيع أنهم كعناكب لا تنسج أبدا بيوتها داخل مكان فيه حياة، أو كحال طيور خطاف لا تبني أعشاشها في سقوف دور عامره. تلوَّن فيه ردح وصدى يتكشف مع الزمن؛ ويأبَى الّذي في القلبِ إلاَّ تَبَيُّنًا وكلُّ إناءٍ بالذي فِيهِ يَنضحُ
الحربائية حِرفة أعلام فيه مصلحة تربُّص، يندسّ بمقولات ومصورات وشائعات. يكثر تكراره حتى يحفر ساقية في العقل الباطن لإثارة لَبْس وتشويش، ويبذر تهيَّب في تصوير الخصوم، ويقزم قابليات الأوطان. تلوّن يحوم حول غدر، ويبث شك وسوء ظن، وأحيانا غطرسة وانتقاص الآخر. هي مهارة تدليس وخُدَع باطنية وملِق مداهنة تنكفئ في ظل الحروب والأزمات.
المتلوّنون لهم قابلية تقمَّص سلوك لا يخلو من طبيعة إيحائية تنغمس بخيالات، وكأن أحدهم يعيش ويتفاعل مع حقيقة، بل يتراكب في نفسانيته صبغة امتزاج ضبابي مع الغير بحثا عن تكملة نقص ذاتي وحضاري، والحربائي في اللاوعي، يفرز أحيانا نزعة مكر وعدوان.
الحِربائية قد تكون عقدة نفسية يكمن فيها توجس خوف ولهذا تُحارب بتمويه، ولا تأبه بارتدادات تهدد الغير. هي مثل طابور خامس في المجتمعات تفتح ثغرات وتشويش أفهام. هنالك من البشر من يكون لوّنه الحربائي فيه رعونة ولامبالاة، وأخر يظهر حقد وكره وبغضاء، وغيرهم غش ورغبة وقيعة بين الأفراد والمجتمعات والدول. ومنهم من لا يهدأ باله أن يرى نمو وتقدم شعوب، يستكثر إنجازاتها، ويغالط في لسانه وقلمه ظنا منه أنه ينال. ثقافة زَبَد لا تنفع صاحبها، فيها تَدنّي قِيَم وطِبَاع، ونسيان، وفاء وفضل. تتوالد في بيئات هشة، ويفضحها الزمن ويتجاوزها.