هاوية الكبر!

| د. سمر الأبيوكي

إن أصل صراع البشرية قاطبة يجب أن يرد إلى الجذور عندما كان الخلاف بين قوى الخير والشر واضحا لا تشوبه خلافات وصراعات جانبية، ولن أسترسل في قصة هابيل وقابيل، بل سأرجع لما هو أقدم من ذلك، عندما كان عزازيل منعما في الجنة، إلا أنه رفض السجود لآدم عندما أمره المولى عز وجل، ورفض فقط كونه يرى نفسه أفضل. “خلقتني من نار وخلقته من طين” هكذا صرح، وهكذا خسر الشيطان كل أوراقه الرابحة بسبب غروره وكبره لا لشيء آخر، وهو نفس المرض الذي أشعل قلب قابيل غلا لتقبل الرحمن قربان أخيه هابيل عنه، فما كان منه إلا أن قتله! وهكذا هي كل الصراعات منذ الخليقة، أساسها الغرور والكبر. فكل عرق يرى أنه الأفضل بلا منازع، فيرى شعب الله المختار نفسه عاليا متعاليا خلق الجميع لخدمته وخلق هو حتى يسيطر على الأرض ويحكمها. وهكذا أيضا يرى كل عرق نفسه دون أن يلمح خطيئة الغرور والكبر، دون أن يعي أنه يسقط في منزلق خطير وعظيم، أخرج الشيطان من رحمة رب العالمين وحوله من كائن مطيع يصفو إلى مراتب الملائكة إلى مطرود من رحمة رب العالمين، وخالد في النار إلى أبد الآبدين! أتعي البشرية ما هي مقبلة عليه من غلو في الكبر والغرور من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيدا؟! لا أظن ذلك، فمازالت الصراعات تنشب بين أديان وأعراق وطوائف، وعزازيل يضحك من قلبه، فقد استطاع أن يتسرب إلى هؤلاء وأولئك من ثغرة طفيفة: ثغرة الأفضلية! كل يرى أنه على حق بلا منازع، كل يرى أنه مخير وأنه الصواب كله، والبقية واقعة في الخطأ دونه! إنه الفخ الذي نصب للبشر منذ الخليقة من قبل قوى الشر ممثلة في الشيطان وأعوانه من جن ومن اعتنق هواهم وشرورهم من إنس. هكذا هو الحال وسيبقى منذ الخليقة حتى فنائها، فلا نزاع أو خلاف أو حرب أو خراب يرد إلى أصله حتى تجد عزازيل متسيدا الموقف. ولا مفر إلا أن نعوذ بالله رب الكون أنفسنا وذريتنا وعقولنا، وندعوه أن تبقى الحكمة متسيدة العقول والأنفس والأهواء أبد الآبدين!