إسقاط الأنظمة من الخارج

| رضي السماك

‭ ‬كان‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ - ‬خلال‭ ‬المواجهة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ - ‬رفعه‭ ‬شعار‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬جمهورية‭ ‬إيران‭ ‬الإسلامية،‭ ‬العضو‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ووكالاتها،‭ ‬وجعله‭ ‬ضمن‭ ‬بنك‭ ‬أهدافه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تحالفه‭ ‬العسكري‭ ‬المشترك‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لضرب‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وهو‭ ‬لم‭ ‬يتورع‭ ‬عن‭ ‬التهديد‭ ‬بقتل‭ ‬القائد‭ ‬الأعلى‭ ‬للنظام،‭ ‬المرشد‭ ‬علي‭ ‬خامنئي،‭ ‬مصرحًا‭: ‬“نعرف‭ ‬مكان‭ ‬اختبائه‭ ‬لكن‭ ‬لن‭ ‬نقتله‭ ‬حاليًّا”،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتنافى‭ ‬والشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬وميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومبدأ‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المختلفة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وكأنما‭ ‬تجربة‭ ‬الغزو‭ ‬الأميركي‭ ‬للعراق‭ - ‬الجار‭ ‬لإيران‭ - ‬بإسقاط‭ ‬نظامه‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬والتي‭ ‬تورط‭ ‬فيها‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬الحاكم‭ (‬نفس‭ ‬حزب‭ ‬الرئيس‭ ‬الحالي‭) ‬غائبة‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬أذهان‭ ‬أركان‭ ‬الإدارة‭ ‬الجمهورية‭ ‬الحالية،‭ ‬بكل‭ ‬مآلاتها‭ ‬وتبعاتها‭ ‬الكارثية،‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬فواتيرها‭ ‬من‭ ‬قوته‭ ‬ودمائه‭ ‬وعمرانه‭ ‬وخدماته‭ ‬المستحقة‭.‬

إن‭ ‬تلك‭ ‬المآلات‭ ‬والتبعات‭ ‬أثبتت‭ ‬فشل‭ ‬ذلك‭ ‬الغزو‭ ‬فشلًا‭ ‬ذريعًا،‭ ‬بل‭ ‬وانكشفت‭ ‬ذرائعه‭ ‬لإقامة‭ ‬نظام‭ ‬ديمقراطي‭ ‬جديد‭ ‬يحل‭ ‬مكان‭ ‬نظام‭ ‬الدكتاتور‭ ‬السابق‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬وللتخلص‭ ‬مما‭ ‬تبقى‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬أسلحة‭ ‬دمار‭ ‬شامل‭. ‬فقد‭ ‬تبين‭ ‬لاحقًا‭ ‬التضخيم‭ ‬الهائل‭ ‬والمبالغات‭ ‬التي‭ ‬مارستها‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬برئاسة‭ ‬بوش‭ ‬الثاني‭ ‬بكل‭ ‬السُبل،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أكذوبة‭ ‬وزير‭ ‬دفاعه‭ ‬الراحل‭ ‬كولن‭ ‬باول‭ ‬الشهيرة‭ ‬أمام‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬شتاء‭ ‬العام‭ ‬2003‭ ‬بامتلاك‭ ‬العراق‭ ‬أسلحة‭ ‬دمار‭ ‬شامل‭ ‬لتبرير‭ ‬غزوه‭ ‬في‭ ‬ربيع‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬وهو‭ ‬الوزير‭ ‬نفسه‭ ‬المتهم‭ ‬بارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭. 

‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬أيدت‭ ‬أحزاب‭ ‬وحركات‭ ‬المعارضة‭ ‬الشيعية‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬الغزو‭ ‬الأميركي،‭ ‬بوهم‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الدكتاتوري‭ ‬السابق‭ ‬وإقامة‭ ‬نظام‭ ‬“ديمقراطي”،‭ ‬فيما‭ ‬عارضته‭ ‬قوى‭ ‬يسارية‭ ‬وديمقراطية،‭ ‬ومكنت‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬القوى‭ ‬المؤيدة‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬وتم‭ ‬ذلك‭ ‬تحت‭ ‬حراب‭ ‬المحتل‭ ‬وفق‭ ‬دستور‭ ‬مسلوق‭ ‬سلقاً‭ ‬في‭ ‬مدة‭ ‬قصيرة‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬وبقية‭ ‬الحكاية‭ ‬معروفة‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نتابع‭ ‬فصولها‭ ‬الكارثية‭ ‬الدامية،‭ ‬لعل‭ ‬أخطرها‭ ‬فشل‭ ‬تلك‭ ‬السلطة‭ ‬الذريع‭ ‬في‭ ‬صد‭ ‬غزوة‭ ‬“داعش”‭ ‬الإرهابية‭ (‬حدث‭ ‬الفشل‭ ‬خلال‭ ‬ولاية‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الأسبق‭ ‬نوري‭ ‬المالكي‭) ‬بتواطؤ‭ ‬مكشوف‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬حامية‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل،‭ ‬ثم‭ ‬تمكن‭ ‬التنظيم‭ ‬من‭ ‬بسط‭ ‬إمارته‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬فارتكابه‭ ‬عشرات‭ ‬أو‭ ‬مئات‭ ‬المجازر‭ ‬الجماعية‭ ‬بحق‭ ‬فئات‭ ‬ومكونات‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كفّرها‭ ‬مسبقًا،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬جرائم‭ ‬العمليات‭ ‬الانتحارية‭ ‬العشوائية‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬انتحاريوه‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬المدن‭ ‬والمناطق،‭ ‬والتي‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأبرياء‭ ‬المدنيين،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬أطفال‭ ‬ونساء‭ ‬وشيوخ‭. ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬استشراء‭ ‬معاقل‭ ‬الفساد‭ ‬وتمركزها‭ ‬في‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬محاسيب‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬والحركات‭ ‬الفئوية‭ ‬التي‭ ‬هللت‭ ‬للغزو،‭ ‬وشاعت‭ ‬ممارسات‭ ‬لا‭ ‬تتفق‭ ‬وروح‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحرية‭ ‬الرأي‭. ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬فُرض‭ ‬عُرف‭ ‬المحاصصة‭ ‬الطائفية‭ ‬المقيت،‭ ‬وهو‭ ‬الآخر‭ ‬مجلبة‭ ‬لنشر‭ ‬الفساد‭ ‬ووفق‭ ‬قسمة‭ ‬“ضيزى”‭. ‬وحتى‭ ‬شعار‭ ‬“حق‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬السلطة”‭ ‬بقي‭ ‬محصورًا‭ ‬بين‭ ‬أحزاب‭ ‬وقوى‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬الشيعي‭ ‬وائتلافاته،‭ ‬مع‭ ‬تطعيمه‭ ‬ببعض‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬والإسلامية‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬استضعافها‭ ‬ولا‭ ‬حول‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭. ‬وسادت‭ ‬قوة‭ ‬نفوذ‭ ‬المليشيات‭ ‬الموالية‭ ‬لطهران،‭ ‬وأخذت‭ ‬تأتمر‭ ‬بأوامر‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بل‭ ‬وتغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تدخلاتها‭ ‬لتقرير‭ ‬القضايا‭ ‬الداخلية‭ ‬الكبرى‭.‬

علاوةً‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬فإن‭ ‬الجيش‭ ‬الأميركي‭ ‬نفسه‭ ‬تكبد‭ ‬مئات‭ ‬القتلى‭ ‬بفعل‭ ‬أعمال‭ ‬العنف‭ ‬التي‭ ‬واجهها،‭ ‬دع‭ ‬عنك‭ ‬آلاف‭ ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬مازالوا‭ ‬يتعالجون‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬سموم‭ ‬أسلحة‭ ‬جيش‭ ‬الغزو‭ ‬نفسه،‭ ‬وهي‭ ‬نفس‭ ‬السموم‭ ‬التي‭ ‬تضررت‭ ‬منها‭ ‬كثرة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي،‭ ‬هذا‭ ‬بخلاف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬الغزو‭ ‬نفسه‭ ‬الذين‭ ‬مازالوا‭ ‬يتلقون‭ ‬علاجًا‭ ‬نفسيًّا؛‭ ‬جراء‭ ‬الصدمات‭ ‬التي‭ ‬تعرضوا‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬العراق‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬الجمهورية‭ ‬الحالية‭ ‬بقيادة‭ ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬قد‭ ‬خطر‭ ‬ببالها‭ ‬ذلك‭ ‬الحصاد‭ ‬الكارثي‭ ‬واتعظت‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬وهي‭ ‬ترفع‭ ‬شعار‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬تتدارس‭ ‬أصلًا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬وقوى‭ ‬المعارضة‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬إسقاطه‭ ‬من‭ ‬الخارج؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬نفذتها‭ ‬واشنطن‭ ‬مؤخرًا‭ ‬بضرب‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية‭ ‬الثلاثة؟‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬سنجيب‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭.‬

 

‭*‬كاتب‭ ‬بحريني