حرب تحت التحكم: إيران وإسرائيل بين الشرعية الدولية وكلفة التوتر الاقتصادي

| رجب قاسم

“الحرب المضبوطة” أكثر كلفة لأنها تبقي البيئة الاقتصادية في حالة توتر دائم الحروب المحدودة لا تعني بالضرورة خسائر محدودة الاستثمار الأجنبي يبحث دائما عن الاستقرار السياسي والأمني

 

في‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية،‭ ‬تختلط‭ ‬الأوراق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والدعاية،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬الضجيج‭ ‬الإعلامي‭ ‬والحسابات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬ساحات‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬المعقد‭ ‬يبرز‭ ‬الصراع‭ ‬المزمن‭ ‬بين‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وهو‭ ‬صراع‭ ‬طال‭ ‬أمده،‭ ‬وتعددت‭ ‬تجلياته،‭ ‬لكنه‭ ‬ظل‭ ‬دائمًا‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬“مضبوطة”‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬العداء‭ ‬المتبادل،‭ ‬لم‭ ‬نشهد‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬حربًا‭ ‬شاملة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬تبادل‭ ‬محدود‭ ‬للضربات،‭ ‬عبر‭ ‬وسطاء‭ ‬أو‭ ‬حلفاء‭ ‬أو‭ ‬أدوات‭ ‬إلكترونية‭ ‬واستخباراتية،‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلًا‭ ‬منطقيًا‭ ‬وعميقًا‭:‬

هل‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬حقيقي‭ ‬مفتوح،‭ ‬أم‭ ‬حرب‭ ‬مضبوطة‭ ‬الإيقاع،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬“حربًا‭ ‬بالاتفاق”؟

حدود‭ ‬التصعيد‭... ‬وتوقيت‭ ‬الضربات

لفهم‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬النزاع،‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدودها‭ ‬فمن‭ ‬الملفت‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تنفذ‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬دقيقة‭ ‬تستهدف‭ ‬ما‭ ‬تزعم‭ ‬أنها‭ ‬منشآت‭ ‬أو‭ ‬شحنات‭ ‬أسلحة‭ ‬إيرانية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الضربات‭ ‬عتبة‭ ‬الحرب‭ ‬المباشرة‭ ‬وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬تدعم‭ ‬إيران‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة‭ ‬كـ”حزب‭ ‬الله”‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬و”الحوثيين”‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وميليشيات‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الضربات‭ ‬بطرق‭ ‬محسوبة‭ ‬وغير‭ ‬مكلفة‭ ‬سياسيًّا‭ ‬لإيران‭ ‬نفسها‭.‬

هذا‭ ‬التوازن‭ ‬يجعلنا‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬غير‭ ‬مألوف‭:‬

عداء‭ ‬معلن،‭ ‬لكن‭ ‬منضبط،‭ ‬صواريخ‭ ‬تُطلق،‭ ‬لكن‭ ‬ضمن‭ ‬حدود،‭ ‬واشتباكات‭ ‬تدور،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬المسار‭ ‬المرسوم‭.‬

وهنا‭ ‬يثور‭ ‬سؤال‭ ‬مشروع‭: ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬تفاهم‭ ‬ضمني‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك؟

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬يكون‭ ‬تصعيد‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬والتهديدات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬هو‭ ‬الأعلى‭ ‬صوتًا،‭ ‬لكن‭ ‬الفعل‭ ‬الميداني‭ ‬يكون‭ ‬مدروسًا‭ ‬ومحسوبًا‭ ‬هذا‭ ‬يُوحي‭ ‬–‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يُثبت‭ ‬–‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬خطوطًا‭ ‬حمراء‭ ‬تم‭ ‬التفاهم‭ ‬عليها‭ ‬ضمنيًا،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تجاوزها‭ ‬لتجنّب‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬قد‭ ‬تُخرج‭ ‬الأمور‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭.‬

وإذا‭ ‬سلّمنا‭ ‬بهذا‭ ‬التفسير،‭ ‬فإننا‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ”حرب‭ ‬ضمن‭ ‬قواعد‭ ‬اشتباك‭ ‬متفق‭ ‬عليها”،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬وسطاء‭ ‬دوليين،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رسائل‭ ‬دبلوماسية‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬تكرّر‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تدور‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ”الحرب‭ ‬الرمادية”‭ ‬أو‭ ‬“الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬المصغّرة”‭.‬

القانون‭ ‬الدولي‭ ‬ومفهوم‭ ‬العدوان‭: ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬والواقع

نصوص‭ ‬واضحة‭... ‬وتطبيقات‭ ‬متعرّجة

وفقًا‭ ‬للمادة‭ (‬2‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬يُحظر‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬بها‭ ‬ضد‭ ‬سلامة‭ ‬أراضي‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬أو‭ ‬استقلالها‭ ‬السياسي‭ ‬والاستثناء‭ ‬الوحيد‭ ‬لذلك‭ ‬هو‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬كما‭ ‬تنص‭ ‬عليه‭ ‬المادة‭ (‬51‭) ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تأويلات‭ ‬فضفاضة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ”الضربات‭ ‬الاستباقية”‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بها‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬إلا‭ ‬بشروط‭ ‬مشددة‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬على‭ ‬الأرض؟

إسرائيل‭ ‬تنفّذ‭ ‬ضربات‭ ‬جوية‭ ‬على‭ ‬أراضٍ‭ ‬سورية‭ ‬أو‭ ‬لبنانية‭ ‬أو‭ ‬عراقية‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬حرب‭ ‬رسمي‭.‬

إيران،‭ ‬من‭ ‬جهتها،‭ ‬تدعم‭ ‬عمليات‭ ‬تنفذها‭ ‬جماعات‭ ‬حليفة‭ ‬لها‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭.‬

وكلا‭ ‬الطرفين‭ ‬يدّعي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬دفاعية‭ ‬أو‭ ‬ردعية‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الخلل‭ ‬القانوني‭: ‬فهذه‭ ‬الأعمال،‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬تُعدّ‭ ‬انتهاكًا‭ ‬واضحًا‭ ‬لسيادة‭ ‬الدول،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تم‭ ‬تبريرها‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬“محاربة‭ ‬الإرهاب”‭ ‬أو‭ ‬“الردع‭ ‬الدفاعي”‭.‬

الحرب‭ ‬بالوكالة‭: ‬غطاء‭ ‬أم‭ ‬استراتيجية‭ ‬دائمة؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الصراع‭ ‬الإيراني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬دون‭ ‬التطرّق‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬“الحرب‭ ‬بالوكالة”،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬تكتيكات‭ ‬الحروب‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬بات‭ ‬القاعدة‭ ‬وليس‭ ‬الاستثناء‭ ‬فإيران‭ ‬تدير‭ ‬منظومة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‭ ‬والأذرع‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جبهة‭:‬

لبنان‭: ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬ترسانة‭ ‬عسكرية‭.‬

سوريا‭: ‬الميليشيات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭.‬

العراق‭: ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬ذات‭ ‬ولاء‭ ‬عقائدي‭ ‬لطهران‭.‬

اليمن‭: ‬الحوثيون‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬قدرات‭ ‬صاروخية‭ ‬ومسيرات‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تعتمد‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬استخباراتية‭ ‬متقدمة،‭ ‬وعلى‭ ‬تعاون‭ ‬عسكري‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬اغتيال‭ ‬نوعية‭ (‬مثل‭ ‬اغتيال‭ ‬العالم‭ ‬النووي‭ ‬محسن‭ ‬فخري‭ ‬زاده‭)‬،‭ ‬وضربات‭ ‬محددة‭ ‬ضمن‭ ‬دول‭ ‬حليفة‭.‬

وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬بالوكالة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬تحقّق‭ ‬مكاسب‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬تستنزف‭ ‬الطرفين‭ ‬سياسيًا‭ ‬أو‭ ‬عسكريًا‭.‬

الإبلاغ‭ ‬المسبق‭ ‬عن‭ ‬الضربات‭: ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬أم‭ ‬إخلاء‭ ‬مسؤولية‭ ‬قانونية؟

في‭ ‬حادثة‭ ‬لافتة،‭ ‬قصفت‭ ‬إيران‭ ‬مؤخرًا‭ ‬قاعدة‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬قطر،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬إبلاغ‭ ‬مسبق‭ ‬لقطر‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬تقارير‭ ‬متعددة‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬أثارت‭ ‬زوبعة‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭:‬

هل‭ ‬تُسقط‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬صفة‭ ‬“العدوان”‭ ‬عن‭ ‬الضربة؟

هل‭ ‬التنسيق‭ ‬يُحوّل‭ ‬الهجوم‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬حقيقية؟

وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتكرس‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬كمخرج‭ ‬قانوني‭ ‬جديد‭ ‬للحروب‭ ‬الرمادية؟

من‭ ‬منظور‭ ‬قانوني،‭ ‬الإبلاغ‭ ‬المسبق‭ ‬لا‭ ‬يُلغي‭ ‬صفة‭ ‬“العدوان”‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬أي‭ ‬هجوم،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تم‭ ‬تنسيقه،‭ ‬يظل‭ ‬خرقًا‭ ‬للسيادة‭ ‬بموجب‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يُعفي‭ ‬الدولة‭ ‬المهاجِمة‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬القانونية،‭ ‬بل‭ ‬يُظهر‭ ‬أنها‭ ‬ارتكبت‭ ‬العدوان‭ ‬مع‭ ‬سبق‭ ‬الإصرار،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يُعقّد‭ ‬وضعها‭ ‬القانوني‭ ‬أمام‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭.‬

الاقتصاد‭... ‬الضحية‭ ‬الصامتة

الحروب‭ ‬المحدودة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬خسائر‭ ‬محدودة‭ ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬مترابط‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬اليوم،‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬ولو‭ ‬محدود،‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬على‭:‬

حركة‭ ‬الطيران‭: ‬إذ‭ ‬تلغى‭ ‬الرحلات‭ ‬أو‭ ‬تُحوّل‭ ‬مساراتها‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭.‬

الأسواق‭ ‬المالية‭: ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬هبوط‭ ‬حاد‭ ‬فور‭ ‬اندلاع‭ ‬أي‭ ‬اشتباك‭ ‬جديد‭.‬

قطاع‭ ‬الطاقة‭: ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬قرب‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬منشآت‭ ‬النفط‭ ‬الخليجية‭.‬

الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭: ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬“الحرب‭ ‬المضبوطة”‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬المفتوحة،‭ ‬لأنها‭ ‬تبقي‭ ‬البيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬توتر‭ ‬دائم،‭ ‬تمنع‭ ‬الخطط‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬سوقًا‭ ‬مرتعشة‭ ‬لا‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬النمو‭.

ضرورة‭ ‬تطوير‭ ‬القانون‭ ‬الدولي

في‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الصراع،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الملحّ‭ ‬تطوير‭ ‬مفاهيم‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬بحيث‭ ‬تشمل‭:‬

1‭ - ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬العدوان‭ ‬ليشمل‭ ‬الضربات‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬بتنسيق‭ ‬مسبق،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أطراف‭ ‬ثالثة‭.‬

2‭ - ‬تحميل‭ ‬الدول‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تنفذها‭ ‬جماعات‭ ‬حليفة‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬غطائها‭ ‬السياسي‭.‬

3‭ - ‬وضع‭ ‬آليات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬لضبط‭ ‬“الحروب‭ ‬الرمادية”،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬لحرب‭ ‬شاملة،‭ ‬لكنها‭ ‬تُهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الدولي‭ ‬بشكل‭ ‬ممنهج‭.

خاتمة‭: ‬صراع‭ ‬تحت‭ ‬السيطرة‭... ‬إلى‭ ‬متى؟

من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ليس‭ ‬حربًا‭ ‬شاملة،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬سلامًا‭ ‬أيضًا‭ ‬إنه‭ ‬صراع‭ ‬مستمر،‭ ‬لكنه‭ ‬مضبوط،‭ ‬اشتباك‭ ‬دائم،‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬شامل،‭ ‬عدوان‭ ‬قانوني،‭ ‬لكنه‭ ‬سياسي‭ ‬الطابع‭ ‬ولعل‭ ‬الأخطر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬لم‭ ‬يطوّر‭ ‬أدواته‭ ‬القانونية‭ ‬والأمنية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الصراعات،‭ ‬مما‭ ‬يهدد‭ ‬بتحوّل‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬نزاع‭ ‬دائم‭ ‬غير‭ ‬معلن،‭ ‬حيث‭ ‬تسود‭ ‬القواعد‭ ‬غير‭ ‬المكتوبة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

وبينما‭ ‬تظل‭ ‬صواريخ‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬“تحت‭ ‬السيطرة”،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬السيطرة‭ ‬هو‭ ‬القانون،‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬واستقرار‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬والرهان‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يربح‭ ‬الجولة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يُعيد‭ ‬تعريف‭ ‬اللعبة‭.‬

رؤية‭ ‬قانونية

إن‭ ‬التطورات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬النزاعات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬كما‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الإيراني‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬ثغرات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬التقليدي،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتحديد‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬غير‭ ‬المعلنة،‭ ‬والضربات‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬خارج‭ ‬السياق‭ ‬الحربي‭ ‬التقليدي‭.‬

فـالعدوان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬اجتياح‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬احتلال‭ ‬أرض،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يأخذ‭ ‬أشكالًا‭ ‬هجينة‭:‬

ضربات‭ ‬استباقية‭ ‬تُبرَّر‭ ‬أمنيًّا‭.‬

هجمات‭ ‬تتم‭ ‬عبر‭ ‬وكلاء‭ ‬غير‭ ‬حكوميين‭.‬

تنسيق‭ ‬ميداني‭ ‬مع‭ ‬طرف‭ ‬ثالث‭ ‬قبل‭ ‬تنفيذ‭ ‬الهجوم،‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬رسمي‭ ‬للحرب‭.‬

وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬المفاهيم‭ ‬القانونية‭ ‬ضمن‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭:‬

1‭ - ‬توسيع‭ ‬مفهوم‭ ‬العدوان‭ ‬ليشمل‭ ‬الهجمات‭ ‬المنسقة‭ ‬مسبقًا‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬تمّت‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬دبلوماسي‭.‬

2‭ - ‬تجريم‭ ‬الحروب‭ ‬بالوكالة‭ ‬التي‭ ‬تُدار‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬الستار‭ ‬مع‭ ‬تحميل‭ ‬الدولة‭ ‬الداعمة‭ ‬كامل‭ ‬المسؤولية‭.‬

3‭ - ‬استحداث‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬للحروب‭ ‬الرمادية‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬المسؤولية‭ ‬السياسية‭ ‬والمسؤولية‭ ‬القانونية‭.‬

4‭ - ‬تعزيز‭ ‬آليات‭ ‬المحاسبة‭ ‬الدولية‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬الانتهاكات‭ ‬مجرد‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬دون‭ ‬تبعات‭ ‬قانونية‭ ‬ملزمة‭.‬

وبدون‭ ‬تطوير‭ ‬جريء‭ ‬لهذه‭ ‬المفاهيم،‭ ‬ستظل‭ ‬القوانين‭ ‬الحالية‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬ضبط‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬المعقّدة،‭ ‬مما‭ ‬يهدد‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬العالمي‭ ‬برمّته‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يُصبح‭ ‬التحدي‭ ‬أمام‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬وقف‭ ‬التصعيد،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬أشكال‭ ‬الصراع‭ ‬الحديثة‭.‬

 

* مستشار قانوني مصري مقيم في عُمان