صعود كمبوديا الصامت.. من ينتبه؟
| عبدالله بوقس
مع تسابق الدول الصغيرة لتتحول إلى بوابات للأسواق الكبرى، لم تعد كمبوديا اسمًا هامشيًّا في الخارطة الآسيوية. فمنذ مطلع 2025، تحوّلت إلى مختبر هادئ للاستثمار طويل الأجل، يقيس جاذبيته لا بالشعارات بل بالأرقام الصلبة. في واقع جغرافي يتغيّر، وحرب نفوذ اقتصادية تزداد حدّتها في جنوب شرق آسيا، لا يمكن تجاهل صعود كمبوديا كرقم صامت لكنه حيوي في معادلة الأسواق الجديدة.
خلال الأشهر الخمسة الأولى فقط من العام الجاري، وافق مجلس التنمية الكمبودي على 290 مشروعًا جديدًا، بقيمة تتجاوز 4.2 مليار دولار أميركي، بزيادة 52 % عن نفس الفترة من 2024. أكثر من 62 % من هذه الاستثمارات جاءت من الصين، لكن الملفت هو النمو التدريجي لدور المستثمرين المحليين وسنغافورة، ما يعكس بيئة أكثر تنوعًا واستقرارًا، ومؤشرات واضحة على تحوّل كمبوديا إلى ساحة تنافس استثماري إقليمي.
القطاعات المستهدفة لم تكن عشوائية. الصناعة حصدت النصيب الأكبر (3.6 مليار دولار)، تليها البنية التحتية (558 مليون دولار)، ثم السياحة (20 مليون دولار). هذه التركيبة تهم المستثمر الخليجي؛ لأنها تبتعد عن الفقاعات الاستهلاكية، وتدخل في عمق الاقتصاد المنتج، حيث تتقاطع فرص التصنيع مع الخدمات، لا سيما في المناطق الحدودية القريبة من فيتنام وتايلاند.
في مايو وحده، تم تسجيل 59 مشروعًا جديدًا، بقيمة 816 مليون دولار، مع توقّعات بتوفير 44 ألف وظيفة مباشرة، في مؤشر على نضوج سوق العمل وقدرة الاقتصاد الكمبودي على امتصاص رأس المال وتدويره بفعالية. وتُظهر هذه الأرقام أن السيولة المستثمرة لا تتبخّر في البيروقراطية، بل تُترجم بسرعة إلى وظائف ومرافق إنتاجية.
في هذا الإطار، يتجلّى مشروع مطار تيشو الدولي، الذي تبلغ كلفته 1.5 مليار دولار، كعلامة فارقة. لا لأنه الأكبر، بل لأنه يُعبّر عن كمبوديا الجديدة: دولة تُراهن على موقعها، على لوجستياتها، وعلى قدرتها على أن تكون مركز عبور إقليمي ينافس العواصم التقليدية. تصميمه الغربي وتنفيذه الآسيوي يمنحان مساحة ثالثة لشراكة محتملة مع المستثمر الخليجي، خصوصًا في مجالات الطيران، التجارة العابرة، وتطوير الخدمات المساندة.
ولعلّ ما يعزز جدوى التوجّه نحو كمبوديا، هو أنها ما زالت في مرحلة البناء، ما يجعل الدخول في وقت مبكر فرصة لا تُعوّض. فهي لا تشترط تمركزًا ثقيلًا أو استثمارات ضخمة فورًا، بل تتيح الدخول التدريجي، وهو ما يناسب الشركات الخليجية الباحثة عن توسع آمن ومدروس.
إن قراءة المشهد الكمبودي اليوم، بعيدًا عن الانبهار أو التهويل، تكشف عن فرصة استراتيجية: دولة لا تطلب تمويلًا فقط، بل تبحث عن شريك استثماري يُضيف، يُطوّر، ويستفيد. والخليج، بسيولته، وخبراته في البنية التحتية، وشركاته التي توسعت في آسيا، قادر على أن يجد في كمبوديا أكثر من سوق: يجد شريكًا صاعدًا في معادلة آسيا المقبلة.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور