الصداقة الحقيقية.. لا تُفرّقها الظنون
| زهير توفيقي
في زمن تتبدل فيه المعايير وتغيب القيم أحيانًا عن العلاقات، تظل الصداقة الصادقة واحدة من أسمى ما يمكن أن يحتفظ به الإنسان في حياته. ليست كل علاقة يُطلق عليها “صداقة”، فبعضها لا تصمد أمام خلاف بسيط، وبعضها تتهاوى حين تدخل المصالح أو تتسلل الظنون. تذكّرتُ قصة أرسلها لي أحد الأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن أن صديقين سافرا معًا وسكنا في فندق، ثم استيقظ أحدهما ليكتشف فقدان 100 دولار من جيبه. فسأل صديقه، فأجابه الآخر بهدوء أنه أخذ المال في الليل لقضاء حاجة ضرورية. لم يراجع الصديق الأمر، بل تجاوزه بسلام. وبعد عودتهما، أبلغهم موظف الفندق بأنه وجد 100 دولار في الغرفة! وعندما واجه الصديق صديقه الآخر مستغربًا، أجابه: “فضلتُ أن أقول إنني أخذتها، فأتحمل دَينًا في ذمتي، خير من أن يدخل بيننا الشيطان وتضيع صداقتنا بسبب الشك”. إنها قصة بسيطة لكنها تختصر دروسًا عظيمة في الإخلاص، والحرص على نقاء القلوب، وسمو العلاقات. لقد قرر ذلك الصديق أن يكون متهمًا في الظاهر كي لا يُفتح باب الشك في قلب صاحبه! وهو بذلك طبق أسمى معاني الوفاء، وحمَل في قلبه أمانة الصداقة كما أمر بها ديننا الحنيف. يقول ربنا عز وجل في كتابه الحكيم (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ). أي أن الصداقة التي لا تُبنى على التقوى والصدق والإخلاص، ستتحول يوم القيامة إلى عداوة، أما الصداقة الصادقة فهي التي ينجو بها أصحابها في الدنيا والآخرة، فالإسلام يُؤصل لمفاهيم عظيمة تحمي هذه الروابط من التصدع: الصدق، الأمانة، الستر، الإيثار، وحسن الظن. ومن المؤسف أننا في هذه الأيام نسمع كثيرًا عن “الخيانة بين الأصدقاء”، و”الخذلان”، و”المواقف التي تُسقط الأقنعة”، حتى أصبح البعض يتوجس من بناء علاقة جديدة خشية الخذلان أكثر من الشوق إلى الصحبة. هذه حقيقة مرة نعيشها في زماننا الحاضر مع الأسف الشديد ويجب أن نعترف بها. وفي المقابل، علينا واجب أدبي لتصحيح هذه المفاهيم وتوجيهها إلى المسار الصحيح. ولا أريد أن أكون سلبيًّا أو متشائمًا أكثر من اللازم، فهناك في الحياة أناس ما زالوا يقدّسون الصداقة، ويجعلونها عهدًا لا يُخدش. أصدقاء يقفون معك في ضعفك قبل قوتك، في غيابك قبل حضورك، وفي غياب المال والمصالح قبل توافرها. إذا فمن الواجب علينا أن نربي أبناءنا على هذا النموذج من الصداقات، لا تلك التي تُبنى على التفاخر أو المصالح أو قضاء الوقت فقط. فالصداقة التي لا يسند فيها الصديق صديقه عند الحاجة، لا تعدو أن تكون مجرد معرفة عابرة. وكما هي في زمن الأزمات، حين يتغير الناس وتتقلب النفوس، يكون الصديق الصادق نعمة نادرة، ومرآة لروحك، وسندًا في ظهرك، ودعاءً في غيابك. العبرة... احرص أيها القارئ الكريم أن تكون مثل ذلك الصديق في القصة، ولا تتردد في أن تتحمل عن غيرك بعضًا من سوء الظن كي لا تخسره، فما قيمة المال إن خسرنا معه من نحب؟ والله من وراء القصد.
كاتب وإعلامي بحريني