هل أصبح التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بديلاً عن التواصل الفعلي وصلة الرحم؟
| د. ضياء الدليمي
في عصرٍ تسارعت فيه وتيرة الحياة، وتسلّل فيه العالم الرقمي إلى تفاصيل يومياتنا، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذتنا الأولى على العالم، ومنصةً رئيسية للتفاعل مع الآخرين. غير أن هذا التحول يثير تساؤلاً جوهرياً: هل باتت هذه الوسائل بديلاً عن التواصل الفعلي، وعوضًا عن صلة الرحم التي أوصى بها الدين، وحثت عليها القيم الإنسانية؟
التواصل الرقمي: سهولة مشروطة
لا يمكن إنكار ما أتاحته وسائل التواصل من تيسير في إيصال المشاعر والأفكار، وسرعة في تبادل الأخبار، خاصة بين من فرقتهم المسافات. برسالة نصية، أو تسجيل صوتي، أو حتى صورة، يمكن للمرء أن يطمئن على أهله وأصدقائه. وقد يرى البعض في هذا الإنجاز كفاية تغني عن اللقاءات والزيارات، فيزهدون في صلة الرحم الفعلية، مكتفين بما تبثه الشاشات.
ولكن، هل يحل دفء الكلمات المكتوبة محل حرارة المصافحة، وصدق النظرة، وحنان اللقاء؟ وهل يكفي تعليق على منشور، أو “إعجاب” بصورة، ليكون بديلاً عن عيادة مريض، أو مشاركة في فرح، أو مؤازرة في حزن؟
صلة الرحم: أمر إلهي لا يستبدل
صلة الرحم ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل فريضة دينية، وخلق نبيل، وأحد أبواب البرّ. قال الله تعالى:
﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ﴾ (سورة الرعد: 21)
وقال جلّ وعلا في ذمّ قاطعي الرحم:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِي ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: 22)
كما قال النبي ﷺ:
“من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه.” (رواه البخاري ومسلم)
وهذا الحديث يبين أن صلة الرحم سبب في طول العمر وسعة الرزق، فهل يُعقل أن نستبدلها برسالة عابرة أو مكالمة مجاملة؟
شواهد من الأدب العربي
وقد أبدع شعراء العرب في وصف أثر القرب والوصال، والتأكيد على أهمية اللقاء والملامسة الإنسانية:
يقول الشاعر:
إذا أنت لم تزرْ أقرباءك حياً فسوف تزورهمُ عند المماتِ ترابَا
ويقول آخر:
ليس الوداد بزخرفٍ من قولهم إن الوداد لفعلةٌ وجوارُ
فالود لا يُقاس بالكلمات فقط، بل بالفعل، وبالزيارة، وبالقيام على الحقوق.
التوازن مطلوب
لا يُفهم من ذلك إنكار فضل وسائل التواصل، بل هي أداة عظيمة إذا ما استُخدمت بحكمة، ووسيلة نافعة إذا لم تحل محل الأصل. فالتقنية وُجدت لتقرب المسافات، لا لتلغي العلاقات. والمطلوب أن نعيد التوازن: نستعين بها حينما تُعجِزنا الظروف، ونعود لأصل الصلة حين تتاح الفرصة.
ختامًا
إن عالم اليوم، برغم انفتاحه، يكاد يُغلق أبواب القلوب إن لم ننتبه. فكم من أمٍ لم تَرَ أبناءها منذ شهور، وكم من أخٍ لا يعلم عن أخته شيئًا سوى ما تنشره على “الستوري”. فلنعد إلى جَمال اللقاء، وصدق السؤال، ولنُدرك أن وسائل التواصل وسيلة، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن جوهر التواصل الإنساني، ولا عوضًا عن صلة الرحم التي هي من تمام الإيمان، وبرهان الصفاء