نوابنا.. اتقوا الله

| زهير توفيقي

في زمن التواصل المفتوح والمنابر المتعددة، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر أو توثيق الحدث، بل أصبح أداة فاعلة في تشكيل الرأي العام والتأثير في توجهات الناس ومواقفهم. ومع اتساع هذه المساحة، يبرز الوجه الآخر للإعلام حين يُستخدم وسيلة للتلميع الذاتي، أو للظهور المجرد من الإنجاز الحقيقي. ما نلاحظه اليوم من بعض ممثلي الشعب – في مواقع مختلفة – هو التوسع في استخدام الإعلام بشكل مفرط، وتحديدًا وسائل التواصل الاجتماعي، لإبراز حضورهم في كل شاردة وواردة، فيزجّون أنفسهم في مواقف لم يكونوا طرفًا فيها، ويُقدَّم الأمر كأن لهم دورا حاسما في اتخاذ القرار أو تحقيق الإنجاز، رغم أن الحقيقة قد تكون مغايرة تمامًا. فالإعلام حين يُستخدم بوصفه مرآة للعمل الجاد، فإن له أثرًا إيجابيًّا لا يُنكر، لكن حين يتحوّل إلى أداة لتضخيم الذات أو سرقة الأضواء من جهود الآخرين، فإنه يُفقد العمل المؤسسي هيبته، ويُسهم في تضليل الناس وتشويشهم، بل ويزرع الإحباط في نفوس من يعملون بصمت ولا يجدون من يسندهم أو يُظهر إنجازهم للعلن! من المؤسف أن بعض الخطابات الإعلامية باتت تُدار بعقلية “السبق” لا “الصدق”، و “الضجة” لا “الدقة”، فيُعلن عن متابعات لم تكن لتحدث أصلًا، أو لم تكن صادرة من الجهة المعلنة، وفي ظل ضعف التحقق أو صمت الجهات المعنية، يبقى الصوت الأعلى لمن يروّج لنفسه، لا لمن خدم فعليًّا.  إن ما يحتاجه المشهد هو إعلام رشيد يفرّق بين “من عمل” و “من ظهر”، وبين من اجتهد لخدمة الصالح العام، ومن استغل المنبر لتحقيق مكاسب شخصية أو دعاية انتخابية. فالمسؤولية لا تتجزأ، والرقابة الشعبية لا ينبغي أن تكون مغشوشة بصورة أو تصريح سريع. لسنا ضد الظهور الإعلامي للنواب، بل نراه ضروريًّا حين يُستخدم لتوضيح المواقف، ومتابعة القضايا، وشرح ما يتم من جهود وتحديات. لكننا ضد اختزال العمل البرلماني في صور وتصريحات، وضد تحويل الإعلام من وسيلة توعية إلى أداة استعراض. كما أننا لا نقلل هنا من قيمة المتابعة أو التواصل مع الجهات الحكومية لتطوير الخدمات، فهذا دور أساس للنواب، بل من صلب عملهم الرقابي والتشريعي، لكن الإشكال يبدأ حين يُختزل هذا الدور في صور إعلامية ورسائل سطحية لا تعكس واقع الجهد المبذول، بل توظف الحدث لتلميع الذات أو كسب نقاط شعبوية. لقد بات واضحًا أن الإعلام، على أهميته، قد يتحول من أداة للشفافية إلى وسيلة للتسويق الشخصي إن لم يُستخدم بمسؤولية. ومن المؤسف أن بعض النواب لا يفرقون بين ممارسة دورهم كممثلين للشعب، وبين الرغبة في تصدر المشهد بأية وسيلة، حتى إن كانت على حساب المصداقية. إن المواطن اليوم لم يعد متلقّيًا بسيطًا؛ فهو يقرأ، ويراقب، ويميز بين الفعل الحقيقي والاستعراض، بين العمل الصامت المنتج، وبين الظهور المزخرف الخالي من المضمون. ومع ازدياد الوعي المجتمعي، أصبح من الضروري أن يُراجع النائب أدواته وخطابه العام، وأن يُعيد ترتيب أولوياته، بما يتناسب مع تطلعات من انتخبوه، لا بما يخدم صورته في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي. كما أن على الإعلام بدوره أن يتحمل مسؤولية فرز الخبر، وتمييز الإنجاز من الحدث العابر، وتفكيك الخطاب الشعبوي حين يتلبس بلبوس الخدمة العامة. شخصيًّا كتبت سابقا عن دور الصحف المحلية في التأكد من الصلاحية والمحتوى، فليس كل خبر يصلح للنشر. فالنائب على سبيل المثال ليس مديرًا للمشاريع، ولا منسقًا للحفلات، بل صانعًا للسياسات والتشريعات، وصوت الناس داخل البرلمان، ومتى ما غاب هذا المعنى، تحوّل العمل البرلماني إلى مشهد علاقات عامة، لا أكثر. في النهاية، يظل الإعلام سلاحًا بحدّين: إما أن يُستخدم لخدمة الحقيقة، أو يُحوّل إلى أداة لطمسها. والفرق بين الأمرين هو النية، والمصداقية، واحترام وعي الناس. هل وصلت الرسالة؟