المواجهة العسكرية الإسرائيلية الإيرانية.. قراءة في المواقف الإقليمية والدولية

| رضي السماك

‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬الحالية‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬والتي‭ ‬ميدانها‭ ‬السماوات،‭ ‬ينشغل‭ ‬المحللون‭ ‬السياسيون‭ ‬والرأي‭ ‬العام‭ ‬الإقليمي‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬والرأي‭ ‬العام‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬المهمة‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬آفاق‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة؟‭ ‬وهل‭ ‬ثمة‭ ‬فرص‭ ‬لإطفاء‭ ‬نيرانها‭ ‬المشتعلة‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬منطقة‭ ‬لآبار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬العالم؟‭ ‬هل‭ ‬تتوسع‭ ‬رقعة‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬العسكري‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭ ‬قد‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬دولية؟

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التساؤلات‭ ‬تستلزم‭ ‬طرح‭ ‬مقاربات‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬أهداف‭ ‬الطرف‭ ‬ونوايا‭ ‬الطرف‭ ‬المعتدي،‭ ‬كما‭ ‬تستلزم‭ ‬تباعًا‭ ‬قراءة‭ ‬متفحصة‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬والأدوار‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلعبها‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬تصعيدها‭.‬

‭ ‬أولًا‭: ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأهداف‭ ‬الطرف‭ ‬المعتدي،‭ ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬هي‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬بادر‭ ‬للهجوم‭ ‬العسكري‭ ‬على‭ ‬جمهورية‭ ‬إيران‭ ‬الإسلامية،‭ ‬الدولة‭ ‬المستقلة‭ ‬ذات‭ ‬السيادة‭ ‬والعضو‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬كما‭ ‬بادرت‭ ‬بتأييدها‭ ‬بقوة‭ ‬ودعمها‭ ‬حليفتها‭ ‬الكبرى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬العضو‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وواحدة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬والتي‭ ‬تمتلك‭ ‬حق‭ ‬الفيتو‭ ‬لإجهاض‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬لا‭ ‬يتفق‭ ‬وسياساتها‭. ‬وكلتاهما‭ - ‬إسرائيل‭ ‬وأميركا‭ - ‬لا‭ ‬تخفيان‭ ‬ذريعة‭ ‬الهجوم‭ ‬العسكري‭ ‬بالاتهام‭ ‬الصريح‭ ‬لطهران‭ ‬بأنها‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬تصنيع‭ ‬وامتلاك‭ ‬أسلحة‭ ‬نووية‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬وسلامة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فيما‭ ‬أكد‭ ‬مدير‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬رافييل‭ ‬غروسي‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬إيران‭ ‬بنشاط‭ ‬ممنهج‭ ‬لتطوير‭ ‬طاقتها‭ ‬النووية‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭.

وعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬إمعان‭ ‬إسرائيل‭ ‬بضرب‭ ‬المفاعلات‭ ‬الإيرانية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يهدد‭ ‬بتسرب‭ ‬إشعاعاتها‭ ‬النووية‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬مأهولة‭ ‬بالسكان،‭ ‬ليس‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وإلى‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يخفيان‭ ‬أن‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬أهدافهما‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬القائد‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬المعتدى‭ ‬عليها‭ (‬المرشد‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭) ‬وتغيير‭ ‬النظام‭ ‬فيها،‭ ‬وهي‭ ‬مرامي‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭ ‬لا‭ ‬تتفق‭ ‬والشرعية‭ ‬الدولية‭.‬

ثانيًا‭: ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموقف‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬فمعظمها‭ ‬ممالئ‭ ‬أو‭ ‬مؤيد‭ ‬أو‭ ‬ملتزم‭ ‬الصمت‭ ‬والترقب‭ ‬حيال‭ ‬الاعتداء‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬اتخذنا‭ ‬من‭ ‬بيان‭ ‬مجموعة‭ ‬الدول‭ ‬السبع‭ ‬التي‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬معظمها‭ ‬غربية‭ ‬مقياساً‭ ‬لذلك،‭ ‬فقد‭ ‬أيّد‭ ‬البيان‭ ‬ضمنياً‭ ‬مشروعية‭ ‬الاعتداء،‭ ‬بتأكيده‭ ‬حق‭ ‬الطرف‭ ‬المعتدي‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬إذ‭ ‬يتهم‭ ‬البيان‭ ‬الطرف‭ ‬المعتدى‭ ‬عليه‭ ‬أنه‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬لعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬والإرهاب‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ودعا‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين‭ ‬وعدم‭ ‬التصعيد‭! ‬ولربما‭ ‬فرنسا،‭ ‬ورغم‭ ‬معاداتها‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬هي‭ ‬الاستثناء‭ ‬الوحيد‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬صرح‭ ‬رئيسها‭ ‬مانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬بأن‭ ‬“تغيير‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التدخل‭ ‬العسكري‭ ‬سيكون‭ ‬أكبر‭ ‬خطأ‭ ‬اليوم‭ ‬لأنه‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الفوضى”،‭ ‬مشدداً‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬استئناف‭ ‬المفاوضات،‭ ‬ومبديًا‭ ‬معارضته‭ ‬لضرب‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية‭ ‬ومهاجمة‭ ‬المدنيين‭.‬

ثالثا‭: ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بدول‭ ‬الإقليم‭ -‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬خصوصًا‭ - ‬فقد‭ ‬أدان‭ ‬المجلس‭ ‬خلال‭ ‬اجتماع‭ ‬استثنائي‭ ‬“الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬سيادتها‭ ‬وأمنها،‭ ‬وتمثل‭ ‬انتهاكًا‭ ‬صريحًا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة”،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬ضرورة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المسار‭ ‬الدبلوماسي‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحليفتها‭ ‬الكبرى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تعبآن‭ ‬بتلك‭ ‬المواقف،‭ ‬وكلتاهما‭ ‬تستغلان‭ ‬العزلة‭ ‬الدولية‭ ‬المديدة‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ ‬فيها‭ ‬منذ‭ ‬قيام‭ ‬ثورتها‭ ‬وتأسيس‭ ‬نظامها‭ ‬الحالي‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة،‭ ‬وحيث‭ ‬النزاع‭ ‬العسكري‭ ‬بات‭ ‬يأخذ‭ ‬منحى‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭ ‬يهدد‭ ‬سلامة‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬وشعوب‭ ‬المنطقة،‭ ‬فإن‭ ‬مسألة‭ ‬ممارسة‭ ‬أقصى‭ ‬أشكال‭ ‬الضغوط‭ ‬الممكنة‭ ‬على‭ ‬إسرائيل،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الطرف‭ ‬المعتدي‭ ‬باتت‭ ‬مسألة‭ ‬ملحة‭ ‬وذات‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬فوق‭ ‬أية‭ ‬اعتبارات‭ ‬أخرى‭. ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬دول‭ ‬الإقليم،‭ ‬والذي‭ ‬يهدد‭ ‬استمرار‭ ‬المجابهة‭ ‬العسكرية‭ ‬مباشرة‭ ‬أمنها‭ ‬وسلامتها،‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬وتكثف‭ ‬أقصى‭ ‬جهودها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لحمل‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬الصديقة‭ ‬المحايدة‭ ‬في‭ ‬المجابهة‭ (‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬خصوصًا‭) ‬بأن‭ ‬تبذل‭ ‬أقصى‭ ‬ضغوطها‭ ‬لحمل‭ ‬الطرف‭ ‬المعتدي‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬عدوانه‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬فورًا،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفعيل‭ ‬أدوات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومجلس‭ ‬الأمن‭ ‬إن‭ ‬أمكن،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أسلوب‭ ‬الوساطات‭ ‬المباشرة‭ ‬فرادى‭ ‬أو‭ ‬جماعة،‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬حليفة‭ ‬إسرائيل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وبين‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬وبأسرع‭ ‬الآجال‭ ‬الممكنة‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني