العمل عن بعد.. فرصة اقتصادية أم فجوة قانونية؟
| رجب قاسم
لم تكن بيئة العمل في العالم العربي والخليجي، حتى وقت قريب، لتتخيل موظفًا يعمل بكفاءة من منزله، أو شركة تُدار من مقهى، أو مؤسسة رسمية لا تجمع موظفيها تحت سقف واحد.
لكن العالم تغيّر.. وتسارع التغيير مع الجائحة، فتبدلت المفاهيم، وتحررت المكاتب من الجدران، وولد من رحم الأزمة نظام جديد يُدعى “العمل عن بُعد”.
وإذا كان التحول التقني قد فرض نفسه بسرعة، فإن القانون غالبًا ما يسير بخطى أبطأ، مترددًا بين حماية العامل ومرونة السوق، فهل استجابت التشريعات الخليجية والعربية لهذا النمط الجديد؟ وهل تمكنت من إحكام قبضتها على هذه الظاهرة الآخذة في الانتشار؟
وهل أصبح العمل عن بُعد فرصة اقتصادية حقيقية أم أنه فجوة قانونية كامنة تهدد استقرار العلاقة بين العامل وصاحب العمل؟
العمل عن بُعد.. المفهوم والإشكالات
يقصد بالعمل عن بُعد، في جوهره، أداء العامل لمهامه الوظيفية من مكان مختلف عن المقر الرسمي للمنشأة، باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، سواء بشكل دائم أو جزئي.
لكن هذا التعريف البسيط يحمل في طياته إشكالات قانونية بالغة:
- كيف تُثبت ساعات العمل؟
- ما مدى التزام صاحب العمل بتوفير وسائل العمل؟
- من يتحمل مسؤولية إصابات العمل داخل المنزل؟
- ما هو الإطار التأديبي للعامل؟
- وكيف تُنظم سرية المعلومات والرقابة الرقمية؟
وهنا تبدأ الحاجة الملحّة لتدخل تشريعي يوازن بين المرونة الاقتصادية والحماية القانونية.
البحرين.. محاولة للتنظيم في ظل القانون القديم
رغم أن قانون العمل البحريني رقم (36) لسنة 2012 لم يذكر العمل عن بُعد بشكل مباشر، إلا أن الحكومة أصدرت قرارات عدة خلال الجائحة لتنظيم هذا النوع من العمل.
وتعتمد الكثير من المؤسسات على لوائحها الداخلية لتحديد آلية العمل عن بُعد؛ ما يجعل الوضع التشريعي أقرب إلى المبادرات المؤقتة من أن يكون تنظيمًا دائمًا.
الإمارات.. نموذج رائد في تقنين العمل عن بُعد
تُعد الإمارات من الدول الخليجية السبّاقة في إدراك التحول، حيث أُدخل مفهوم العمل عن بُعد ضمن قانون العمل الاتحادي الجديد رقم (33) لسنة 2021، الذي سمح رسميًّا باعتماد أنماط عمل مرنة، من بينها العمل عن بُعد الجزئي والكامل.
وقد تبع ذلك صدور القرار الوزاري رقم (31) لسنة 2023 بشأن أنظمة العمل عن بُعد في القطاع الخاص، حيث نَصّ على:
- ضرورة وجود عقد مكتوب يحدد طبيعة العمل عن بُعد.
- تحديد ساعات العمل وأدوات التواصل.
- التزام صاحب العمل بتوفير المستلزمات التقنية.
- حماية خصوصية العامل من المراقبة المفرطة.
كما أن الحكومة الإماراتية أطلقت برامج لتدريب المواطنين على العمل عن بُعد، وهو ما يعكس إدراكًا بأن التشريع وحده لا يكفي دون دعم مؤسسي واقتصادي.
المملكة العربية السعودية.. إطار تنظيمي ناضج
في السعودية، يُعتبر العمل عن بُعد جزءًا من سياسة التحول الرقمي، وقد أُسّست له منصة رسمية بإشراف وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
وقد صدر القرار الوزاري رقم (792) للعام 1441هـ لينظّم العلاقة التعاقدية، واشترط:
- تسجيل العامل بنظام التأمينات الاجتماعية.
- توقيع عقد عمل يتضمن مكان العمل، وساعاته، والمهام المحددة.
- مساواة العامل عن بُعد ببقية العمال في الحقوق.
وقد اهتم التشريع السعودي بإبراز العمل عن بُعد كمجال لتمكين النساء وذوي الإعاقة، وتحقيق التوازن بين الحياة والعمل، وهو بُعد اجتماعي مهم جدًّا.
سلطنة عُمان.. بداية متأنية تنتظر تشريعًا واضحًا
رغم أن قانون العمل العماني الصادر بالمرسوم السلطاني 35 / 2003، لا يتضمن نصوصًا صريحة عن العمل عن بُعد، إلا أن بعض القرارات الإدارية، خاصة بعد الجائحة، سمحت بتطبيقه في بعض الجهات الحكومية.
وقد صدرت أدلة تنظيمية داخلية، خاصة في القطاع الحكومي، لتقييم العاملين عن بُعد، لكنها ما زالت تفتقر إلى قوة النص القانوني العام، الأمر الذي قد يُعرض العامل أو صاحب العمل إلى الغموض في حال النزاع.
ومع صدور قانون العمل الجديد في 2023، فإن الفرصة قائمة لتضمين نصوص صريحة تنظم العمل الرقمي وعن بُعد، خاصة في ظل اعتماد السلطنة على التحول الرقمي في “رؤية عمان 2040”.
قطر.. قرارات حكومية بلا إطار تشريعي واضح
في دولة قطر، رغم وجود تطبيق واسع للعمل عن بُعد خاصة في القطاع العام، لا تزال قوانين العمل التقليدية غير محدثة بشكل رسمي لتشمل هذا النمط.
وتُرك أمر تنظيم العلاقة إلى العقود الفردية بين الموظف وجهته، مع توجيهات عامة من مجلس الوزراء خلال الجائحة.
وما لم يُستتبع ذلك بتعديل في قانون العمل رقم (14) لسنة 2004، فقد يستمر الغموض حول حقوق العاملين في هذا النطاق.
مصر.. غياب النصوص يقابله تطبيق واقعي
في مصر، لم يتضمن قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 أي تنظيم للعمل عن بُعد، رغم اعتماد عدد من المؤسسات العامة والخاصة عليه وقد سمحت وزارة الاتصالات ببرامج عدة لتشجيع هذا النظام، وجرى تنفيذه في قطاعات مثل التعليم العالي والبنوك.
لكن غياب النص التشريعي يترك مساحة واسعة للاجتهاد الشخصي والتمييز أحيانًا في الحقوق؛ ما يستدعي تدخلًا تشريعيًّا عاجلًا.
التحديات القانونية في العمل عن بُعد
ورغم التفاؤل بهذه التجربة، إلا أن الواقع يكشف عن فجوات قانونية مؤثرة:
صعوبة إثبات الانضباط أو التقصير: هل فشل العامل في الرد السريع يُعد مخالفة؟
مسؤولية الحوادث المنزلية أثناء العمل: هل يُعد سقوط العامل أثناء استخدام حاسوبه إصابة عمل؟
حماية البيانات: من يضمن أن العامل لا يُسرب معلومات العمل وهو في منزله؟
الفصل التعسفي: كيف نُميز بين سوء الأداء عن بُعد وبين رغبة صاحب العمل في التخلص من العامل بهدوء؟
هذه الإشكالات لا يمكن حلها بنصوص عامة، بل تحتاج إلى تشريعات متخصصة تستوعب طبيعة العلاقة الرقمية الحديثة.
الجانب الاقتصادي والاجتماعي.. المكاسب والتحديات
العمل عن بُعد وفّر مكاسب واضحة، منها:
- خفض تكاليف التشغيل والمكاتب.
- تمكين الفئات غير القادرة على التنقل.
- استغلال الكفاءات من مختلف الجنسيات.
- مرونة في ساعات العمل تؤدي لتحسن الإنتاجية.
لكن في المقابل:
- انخفاض مستوى الانتماء المؤسسي.
- ضعف في المهارات الاجتماعية والتواصل.
- تضرر قطاعات النقل، والمطاعم، والخدمات المرتبطة بمقار العمل.
رؤية قانونية
مما لا شك فيه أننا أمام ظاهرة تجاوزت حد الظرف الطارئ، وتحولت إلى نمط عمل دائم يتطلب تشريعًا دائمًا؛ لذا فإننا نرى ضرورة قيام الدول الخليجية والعربية بما يلي:
تعديل قوانين العمل صراحة لإدراج أنماط العمل الحديثة. إصدار لوائح تنظيمية مستقلة لتنظيم العمل عن بُعد في القطاعين العام والخاص. إلزام أصحاب العمل بتحقيق العدالة بين العاملين حضورًا وعن بُعد. إنشاء هيئات متخصصة لمراقبة التزام المؤسسات بمبادئ العمل العادل عن بُعد. تنظيم قضايا الرقابة الرقمية وحماية البيانات، وتحديد المسؤولية التأمينية عن الحوادث. فرض عقود عمل إلكترونية موحدة، تُوثق لدى الجهات المختصة.فالعمل عن بُعد ليس خيارًا مستقبليًّا، بل هو واقع يفرض علينا إعادة صياغة فلسفة العمل، وضبطها قانونيا، قبل أن تتحول المرونة إلى فوضى، والانفتاح إلى ظلم غير مرئي.
* مستشار مصري مقيم في عُمان