من اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد الإنتاج

| د. طلال أبوغزالة

‭ ‬لطالما‭ ‬مثّلت‭ ‬المساعدات‭ ‬الدولية‭ ‬مظهرًا‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬“الضمير‭ ‬العالمي”‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬الفقر‭ ‬والفاقة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬وكأنه‭ ‬يلفظ‭ ‬أنفاسه‭ ‬الأخيرة‭. ‬فبين‭ ‬تخفيضات‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬لميزانية‭ ‬الوكالة‭ ‬الأميركية‭ ‬للتنمية‭ ‬الدولية،‭ ‬وتراجع‭ ‬التزامات‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬كبرى‭ ‬تجاه‭ ‬التنمية‭ ‬العالمية،‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬هل‭ ‬انتهت‭ ‬فعليًّا‭ ‬حقبة‭ ‬المساعدات‭ ‬التقليدية،‭ ‬وهل‭ ‬نحن‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬نموذج‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬الصناعي‭ ‬والجنوب‭ ‬المحتاج؟

وأرى‭ ‬أنه‭ ‬وخلافًا‭ ‬للصورة‭ ‬الرومانسية‭ ‬المنتشرة،‭ ‬فإن‭ ‬صناعة‭ ‬المساعدات‭ ‬الدولية‭ ‬تُدار‭ ‬اليوم‭ ‬بطريقة‭ ‬تشبه‭ ‬إدارة‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭: ‬مكاتب‭ ‬فخمة،‭ ‬شبكات‭ ‬من‭ ‬الاستشاريين،‭ ‬بيروقراطية‭ ‬دولية‭ ‬معقدة،‭ ‬وأموال‭ ‬ضخمة‭ ‬تُنفق‭ ‬على‭ ‬“إدارة‭ ‬الأزمات”‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تُنفق‭ ‬على‭ ‬حلها‭.‬

ولان‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬لا‭ ‬تكذب‭ ‬فإنني‭ ‬أتحدث‭ ‬بوضوح‭ ‬وأقول‭ ‬إن‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬9‭ % ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬الأميركية‭ ‬تُدار‭ ‬محليًّا‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬المستفيدة،‭ ‬أما‭ ‬البقية،‭ ‬فتذهب‭ ‬إلى‭ ‬رواتب‭ ‬خبراء‭ ‬دوليين،‭ ‬وورش‭ ‬عمل،‭ ‬وتقارير‭ ‬كثيرة‭ ‬لا‭ ‬تُترجم‭ ‬غالبًا‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

لكن‭ ‬بعد‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬الغرب،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المواطن‭ ‬الأوروبي‭ ‬أو‭ ‬الأميركي‭ ‬مستعدًّا‭ ‬لتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬يُعاني‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬في‭ ‬خدماته‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليمية‭. ‬والأسوأ،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المساعدات‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬اقتصادات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬الذاتي،‭ ‬بل‭ ‬ساهمت‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬الاعتماد‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المساعدات‭ ‬قد‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬مهمتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬فإن‭ ‬البديل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سوى‭ ‬التصنيع،‭ ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الفقر،‭ ‬ككوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والصين،‭ ‬لم‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تلقي‭ ‬الهبات،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬إنتاجية‭ ‬قوية‭. ‬كذلك‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثاني‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الحملات‭ ‬الدعائية‭ ‬عن‭ ‬النظافة‭ ‬أو‭ ‬التوعية‭ ‬الغذائية،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مصانع،‭ ‬وكهرباء،‭ ‬وطرقات،‭ ‬وأنظمة‭ ‬ضريبية‭ ‬شفافة‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭.‬

إذن‭ ‬التحول‭ ‬الصناعي‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالشعارات،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭: ‬كهرباء،‭ ‬نقل،‭ ‬اتصالات،‭ ‬ومياه،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مكافحة‭ ‬التهرب‭ ‬الضريبي‭ ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬أفريقيا‭ ‬تخسر‭ ‬سنويًّا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بسبب‭ ‬تهرب‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬من‭ ‬الضرائب‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬فتح‭ ‬الأسواق‭ ‬الغربية‭ ‬أمام‭ ‬المنتجات‭ ‬الجنوبية،‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬له‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحواجز‭ ‬الجمركية‭ ‬تمنع‭ ‬التصدير‭. ‬وكذلك‭ ‬فإن‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد،‭ ‬دون‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفس‭ ‬علاقات‭ ‬التبعية‭ ‬القديمة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الكونغو،‭ ‬التي‭ ‬تُنتج‭ ‬الكوبالت‭ ‬الضروري‭ ‬لصناعة‭ ‬البطاريات،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تصنيعه‭ ‬أو‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬عوائده‭.‬

وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬انهيار‭ ‬منظومة‭ ‬المساعدات‭ ‬كما‭ ‬نعرفها‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬نهاية‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬هي‭ ‬بداية‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المساعدات‭ ‬ستنتهي،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كنا‭ ‬سنستبدلها‭ ‬بنموذج‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة،‭ ‬أم‭ ‬نواصل‭ ‬ترسيخ‭ ‬عالمٍ‭ ‬غير‭ ‬متكافئ،‭ ‬عالمٌ‭ ‬فيه‭ ‬طرف‭ ‬يصنع‭ ‬ويصدر‭ ‬ويقود‭ ‬وطرف‭ ‬آخر‭ ‬ينتظر‭ ‬الفتات‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬رمق‭.‬

‭* ‬رئيس‭ ‬ومؤسس‭ ‬مجموعة‭ ‬طلال‭ ‬أبوغزالة‭ ‬العالمية