إسرائيل وإيران.. فصل جديد للصراع

| أحمد جعفر

‭ ‬دشّنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬اللحظة‭ ‬المحورية‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬استعدت‭ ‬لها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬بضرب‭ ‬عمق‭ ‬إيران،‭ ‬في‭ ‬هجوم‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحجم‭ ‬والدقة‭ ‬واستخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المتقدمة‭. ‬الهجوم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المفاجئ‭ ‬جاء‭ ‬مبنيًّا‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسة‭: ‬استهداف‭ ‬الأصول‭ ‬والقدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لتعطيل‭ ‬أي‭ ‬رد‭ ‬محتمل‭ ‬وتقويض‭ ‬العمليات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬اغتيال‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬العسكريين‭ ‬وعلماء‭ ‬الذرة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إلحاق‭ ‬الضرر‭ ‬بالمنشآت‭ ‬النووية‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مبكرًا‭ ‬لتقييم‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية‭ ‬للهجوم،‭ ‬فإن‭ ‬النمط‭ ‬العملياتي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬تكتيكاتها‭ ‬في‭ ‬ضرب‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬اللبناني‭ ‬خلال‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الغاية‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬تقويض‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬ودرء‭ ‬المخاطر‭ ‬عنها،‭ ‬بل‭ ‬كسر‭ ‬الروح‭ ‬القتالية‭ ‬وتعطيل‭ ‬فعالية‭ ‬الردع‭ ‬لدى‭ ‬الخصم‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬اليوم‭. ‬وفي‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬الموقف‭ ‬هو‭ ‬الاستمرار‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بضرب‭ ‬بنك‭ ‬أهداف‭ ‬لم‭ ‬يغلق‭ ‬حتى‭ ‬الساعة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قوبل‭ ‬بقصف‭ ‬إيراني‭ ‬مكثف‭ ‬بالصواريخ‭ ‬البالستية،‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬قد‭ ‬تستمر‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬أسبوع،‭ ‬وهذا‭ ‬ربما‭ ‬يحفز‭ ‬إسرائيل‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

النجاح‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الضربات‭ ‬المدعومة‭ ‬باختراق‭ ‬داخلي‭ ‬محكم‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الموساد،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬قتلى‭ ‬في‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬جراء‭ ‬الانتقام‭ ‬الإيراني،‭ ‬ربما‭ ‬يدفع‭ ‬الدولة‭ ‬العبرية‭ ‬وخلفها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬اغتيال‭ ‬شخصيات‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬ويفتح‭ ‬الشهية‭ ‬نحو‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬رد‭ ‬رادع‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني‭ ‬يغير‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭.

هذا‭ ‬المنزلق‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬تجنبته‭ ‬واشنطن‭ ‬والقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬46‭ ‬عامًا‭ ‬منذ‭ ‬نجاح‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬أضحى‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬بجدية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصدع‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وجرأة‭ ‬إسرائيل‭ ‬المتزايدة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الهجوم‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬زرع‭ ‬الفوضى‭ ‬داخل‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأجيج‭ ‬انتفاضات‭ ‬داخلية‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المعقدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحدث‭ ‬فيه‭ ‬فعليًّا‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬تدوينة‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬“إكس”‭ ‬باللغة‭ ‬الفارسية‭ ‬وجهها‭ ‬للشعب‭ ‬الإيراني‭.‬

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬تعيش‭ ‬إيران‭ ‬لحظة‭ ‬حرجة،‭ ‬فقد‭ ‬كُشفت‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأمني‭ ‬والاستخباراتي،‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الاختراقات‭ ‬المدمرة،‭ ‬وهي‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬الرد‭ ‬الحاسم‭ ‬سيكلفها‭ ‬كثيرًا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الردع‭ ‬والمكانة‭ ‬الإقليمية‭.‬

الأمر‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتجرؤ‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬هجوم‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬والدقة‭ ‬لولا‭ ‬وجود‭ ‬ضوء‭ ‬أخضر‭ ‬أميركي،‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬ضمن‭ ‬ترتيبات‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬تتعلق‭ ‬بإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بعد‭ ‬تقارب‭ ‬طهران‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬العواصم‭ ‬العربية‭.‬

وإلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬جميع‭ ‬الاحتمالات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬مصراعيها،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬حربا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تبقي‭ ‬ولا‭ ‬تذر،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تطور‭ ‬المشهد‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬الطرفان‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬بات‭ ‬وجوديًا‭ ‬يجب‭ ‬إنهاؤه‭ ‬بانتصار‭ ‬صريح‭ ‬لأحدهما‭.‬

 

ملحوظة‭: ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬صباح‭ ‬السبت‭ ‬14‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني