مواجهة آلة الكذب والتزييف (1)

| كمال الذيب

‭ ‬نفاجأ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬بأن‭ ‬بعض‭ ‬المواقف‭ ‬والكتابات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬أناس‭ ‬يفترض‭ ‬بهم‭ ‬العلم‭ ‬والاطلاع‭ ‬والحصافة‭ ‬وبناء‭ ‬الموقف‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬الصحيحة‭ ‬الموثوقة،‭ ‬نفاجأ‭ ‬بهم‭ - ‬مع‭ ‬ذلك‭ - ‬يخبطون‭ ‬خبطًا‭ ‬عشوائيًّا‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬يبنون‭ ‬مواقفهم‭ ‬وآراءهم‭ ‬وتحليلاتهم‭ ‬على‭ ‬“طراطيش‭ ‬كلام”‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معرفة‭ ‬أو‭ ‬اطلاع،‭ ‬فالتدقيق‭ ‬والتمحيص‭ ‬كلاهما‭ ‬يتطلب‭ ‬جهدًا‭ ‬جهيدًا‭ ‬وكدحًا‭ ‬وبحثًا،‭ ‬وقراءة‭ ‬وتدقيقًا،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الهوى‭ ‬والقناعات‭.‬

هناك‭ ‬من‭ ‬يخبط‭ ‬يمينًا‭ ‬وشمالًا‭ ‬ويبني‭ ‬مواقف‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬أشباه‭ ‬معلومات‭ ‬يفترض‭ ‬صحتها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مراجعة‭ ‬أو‭ ‬تمحيص،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬الاستغراب‭ ‬وتعرض‭ ‬صاحبها‭ ‬للسخرية،‭ ‬وتوقعه‭ ‬في‭ ‬الحرج‭ ‬أمام‭ ‬الناس،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬نوعًا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬والتصريحات‭ ‬والمواقف‭ ‬التي‭ ‬تنهض‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬النية‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬الوقائع‭ ‬الصحيحة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬نية‭ ‬الوقيعة،‭ ‬للإيقاع‭ ‬بالآخرين،‭ ‬أو‭ ‬للبحث‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬الهوامش‭ ‬عن‭ ‬هوامش‭ ‬لبناء‭ ‬مواقف‭ ‬معادية‭ ‬بنية‭ ‬العداء‭. ‬وكل‭ ‬وفي‭ ‬اللحظة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه،‭ ‬قد‭ ‬تأتيهم‭ ‬المعلومات‭ ‬الصحيحة‭ ‬بما‭ ‬يتعذّر‭ ‬الاختلاف‭ ‬حولها‭ ‬وفيها،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعتذرون‭ ‬ولا‭ ‬يتراجعون‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬تورطوا‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬ترهات،‭ ‬وتلك‭ ‬ورطة‭ ‬أخرى‭.‬

إن‭ ‬تحريف‭ ‬الحقائق‭ ‬أو‭ ‬لي‭ ‬عنقها‭ ‬بالتحريف‭ ‬والتأويل‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الدوافع‭ ‬الشخصية‭ ‬والعصبية،‭ ‬عمل‭ ‬لا‭ ‬أخلاقي،‭ ‬واستخفاف‭ ‬بعقول‭ ‬الناس‭. ‬والأخطر‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬قد‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬والتاريخ‭ ‬والذاكرة‭ ‬الجماعيةفيبدأ‭ ‬التحريف‭ ‬والتشويه‭ ‬وكأنه‭ ‬فعل‭ ‬معقلن‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتدقيق،‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬كذلك،‭ ‬حيث‭ ‬يستهدف‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬وتشكل‭ ‬ذاكرتها،‭ ‬وبناء‭ ‬قيم‭ ‬ورؤى‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬الهاوية‭. ‬فلكم‭ ‬تقاتلت‭ ‬قبائل‭ ‬وشعوب‭ ‬وأمم،‭ ‬بسبب‭ ‬الاختلاف‭ ‬حول‭ ‬تأويل‭ ‬ماضيها‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬موهوبًا‭ ‬للزيف‭ ‬منذ‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬لتدوينه،‭ ‬وتزييف‭ ‬التاريخ‭ ‬ليس‭ ‬مكسبًا‭ ‬تهفو‭ ‬إليه‭ ‬العقول‭ ‬الحصيفة،‭ ‬بل‭ ‬حرفة‭ ‬دأبت‭ ‬البشرية‭ ‬على‭ ‬توارثها‭ ‬جيلًا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬مثلما‭ ‬توارثت‭ ‬وتناقلت‭ ‬حرفة‭ ‬الكذب‭ ‬والنبش‭ ‬والتزييف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الشهوة‭ ‬والسلطان‭ ‬والمال‭. ‬لكن‭ ‬أقسى‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬انخراط‭ ‬المثقف،‭ (‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬غير‭ ‬وعي‭) ‬في‭ ‬التزييف‭ ‬والتحريف‭ ‬والترويج‭ ‬للأوهام،‭ ‬باسم‭ ‬الرأي‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وباسم‭ ‬الدين‭ ‬والحزب‭ ‬أو‭ ‬الجماعة‭ ‬أحيانًا‭ ‬أخرى،‭ ‬وباسم‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬الأنانية‭ ‬والمصالح‭ ‬الذاتية‭ ‬أحيانًا‭! ‬وللحديث‭ ‬صلة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني