الجاحظ والخيون وتحريف الكلام (2) نصيحة الجاحظ لمؤلفي الكتب

| رضي السماك

استطرادًا‭ ‬لمقالنا‭ ‬المنشور‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬لصحيفة‭ ‬“البلاد”‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“الجاحظ‭ ‬والخيون‭ ‬وتحريف‭ ‬الكلام”،‭ ‬نود‭ ‬أن‭ ‬ننوّه‭ ‬هنا‭ ‬بما‭ ‬قاله‭ ‬الباحث‭ ‬والمحقق‭ ‬العراقي‭ ‬رشيد‭ ‬الخيون‭ ‬نقلًا‭ ‬عن‭ ‬الجاحظ،‭ ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬كلامًا‭ ‬مرتجلًا‭ ‬وقد‭ ‬أدلاه‭ ‬بما‭ ‬معناه‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬فحواه،‭ ‬وحيث‭ ‬جرى‭ ‬تحويره‭ ‬وأُضيف‭ ‬عليه‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقله‭ ‬الخيون‭. ‬أما‭ ‬النص‭ ‬الحرفي‭ ‬لما‭ ‬كتبه‭ ‬الجاحظ‭ ‬فقد‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الحيوان،‭ ‬لأبي‭ ‬عثمان‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬بحر‭ ‬الجاحظ،‭ ‬الجزء‭ ‬الأول،‭ ‬الكتاب‭ ‬الأول،‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية،‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬“شركة‭ ‬مكتبة‭ ‬ومطبعة‭ ‬مصطفى‭ ‬البابي‭ ‬الحلبي‭ ‬وأولاده‭ ‬بمصر”،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬التالي‭:‬

“وينبغي‭ ‬لمن‭ ‬كتب‭ ‬كتابًا‭ ‬ألا‭ ‬يكتبه‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬كلهم‭ ‬له‭ ‬أعداء،‭ ‬وكلهم‭ ‬عالم‭ ‬بالأمور،‭ ‬وكلهم‭ ‬متفرغ‭ ‬له؛‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يرضى‭ ‬بذلك‭ ‬حتى‭ ‬يُدع‭ ‬غفلاً،‭ ‬ولا‭ ‬يرضى‭ ‬بالرأي‭ ‬الفطير؛‭ ‬فإن‭ ‬لابتداء‭ ‬الكتاب‭ ‬فتنة‭ ‬وعُجبًا،‭ ‬فإذا‭ ‬سكنت‭ ‬الطبيعة‭ ‬وهدأت‭ ‬الحركة،‭ ‬وتراجعت‭ ‬الأخلاط،‭ ‬وعادت‭ ‬النفس‭ ‬وافرة،‭ ‬أعاد‭ ‬النظر‭ ‬فيه،‭ ‬فيتوقف‭ ‬عند‭ ‬فصوله‭ ‬توقف‭ ‬وزن‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬طمعه‭ ‬في‭ ‬السلامة‭ ‬أنقص‭ ‬من‭ ‬خوفه‭ ‬من‭ ‬العيب،‭ ‬ويتفهم‭ ‬معنى‭ ‬قول‭ ‬الشاعر‭: ‬إن‭ ‬الحديث‭ ‬تغر‭ ‬القوم‭ ‬خلوته‭ ‬حتى‭ ‬يلج‭ ‬بهم‭ ‬عي‭ ‬وإكثار‭. ‬ويقف‭ ‬عند‭ ‬قولهم‭ ‬في‭ ‬المثل‭: ‬“كل‭ ‬مجر‭ ‬في‭ ‬الخلاء‭ ‬يُسر”،‭ ‬فيخاف‭ ‬أن‭ ‬يعتر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أجرى‭ ‬فرسه‭ ‬وحده،‭ ‬أو‭ ‬خلا‭ ‬بعلمه‭ ‬عند‭ ‬فقد‭ ‬خصومه‭ ‬وأهل‭ ‬المنزلة‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬صناعته”‭. (‬انتهى‭ ‬الاقتباس‭).‬

ولك‭ ‬أن‭ ‬تدقق‭ ‬معي‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬كُتب‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬النص،‭ ‬فهو‭ ‬نص‭ ‬ابن‭ ‬بيئة‭ ‬وزمانه،‭ ‬حيث‭ ‬وُلد‭ ‬كاتبه‭ ‬سنة‭ ‬776‭ ‬ميلادية‭ ‬وعاش‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬159‭ - ‬255‭ ‬هجرية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يمت‭ ‬بصلة‭ ‬للأسلوب‭ ‬اللغوي‭ ‬لعصرنا‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬عمره‭ ‬قرنا‭ ‬ونيفا‭ ‬فقط‭.

لندرك‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬تقوّل‭ ‬على‭ ‬الجاحظ‭ ‬مقولة‭ ‬“الأفكار‭ ‬ملقاة‭ ‬على‭ ‬الطريق،‭ ‬المهم‭ ‬كيف‭ ‬نلتقطها”،‭ ‬والتي‭ ‬نقلها‭ ‬عنه‭ ‬عدد‭ ‬غير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬مشاهير‭ ‬كتّابنا‭ ‬العرب،‭ ‬هي‭ ‬مقولة‭ ‬موضع‭ ‬تشكيك‭ ‬في‭ ‬صحتها‭.‬

كاتب‭ ‬بحريني