الجاحظ والخيون وتحريف الكلام ( 1-2)

| رضي السماك

ورد سهواً في مقال يوم أمس هنات من الأخطاء والفقرات المكررة، وتالياً إعادة نشره سليماً  :  بداية نود أن نهنئ الإخوة العراقيين الثلاثة: الروائية و الكاتبة الصحفية إنعام كجه جي بجائزة سلطان بن  علي العويس الثقافيه، والإعلامي العراقي فخري كريم، رئيس مؤسسة المدى يجائزة شخصية العام من قِبل قمة الإعلام العربي. والبحاثة التراثي رشيد الخيون لفوزه بجائزة الشيخ زايد للكتاب ( فرع تحقيق المخطوطات) عن تحقيقه كتاب " أخبار النساء).  وعودة لصلب موضوعنا، فقد انتشر خلال  الأسبوع الماضي على نطاق واسع في السوشيال ميديا وعلى الأخص "الواتساب"  مقولة منسوبة للجاحظ نقلاً عن المؤرخ والمحقق التراثي الدكتور رشيد الخيون، التي زُعم بأن الجاحظ قالها وقيل أنها منقولة  عن الخيون كالتالي: " من يريد أن يكتب كتاباً عليه أن يعتبر كل الناس أعداءه، وأن يقرأ 100 صفحة مقابل كل صفحة يكتبها". وفي الواقع ما أن قرأت هذه المقولة أنتابني شعور على الفور بأن هذا الأسلوب في الكتابة لا ينتمي إلى عصر الجاحظ بل إلى عصرنا، وبالتحري عن مدى صحة المعلومة من الخيون  نفسه ،أكد لي بأنه لم ينسب للجاحظ على الإطلاق المقطع الثاني من المقولة " … وأن يقرأ 100 صفحة مقابل كل صفحة يكتبها" بل أن الجاحظ قال عندما تكتب اعتبر كل الناس أعداء لك، كي يخرج كتابك خال من النقص. وسبق لي أن شككت أيضاً في صحة مقولة نُسبت للجاحظ نفسه " الأفكار ملقاة على قارعة الطريق " وما زلت عند تشككي.  ومع أن مقولة الجاحظ جميلة وشديدة التعبير في دلالاتها، ولا سيما في ضوء ما يزخر به عالم الصحافة العربية وتأليف الكتب في زماننا العربي من كتّاب يكتبون أكثر مما يقرأون، ومثلهم المنتقدون سواء داخل الندوات العامة أو في وسائل التواصل الاجتماعي،  فجلهم من أنصاف أو أرباع المثقفين، ولعل حظهم من الثقافة لا يربو على قراءة كتاب أو كتابين، أوربما بعضهم لم يقرأ كتاباً واحداً في حياته، إلا أن المرء يقع في حيرة شديدة متسائلاً: لماذا تنسب المقولات البلاغية  المعبرة التي هي من لبنات أصحابها المجهولين إلى مشاهير الكتّاب والشعراء والأدباء، سواء في عصرنا أو في العصور الإسلامية البعيدة، بل لا يتورع الكثيرون عن نسبها حتى للصحابة والفقهاء والأئمة؟ ومع أن ما قاله الخيون : من يريد أن يمارس الكتابة عليه يمارس القراءة لسنوات طويلة، وأن لا يستعجل الكتابة وأن لا يميل للمديح، ولا يغضب من المنتقدين، وهو عين العقل وينم عن روح ديمقراطية،إلا أنه من الأسف الشديد ما زالت ساحتنا الثقافية والإعلامية العربية تعج بكثرة ممن يبدون أشد الأنزعاج من نقدهم أو نقد مسلماتهم السياسية والفكرية، وممن يطربون أشد الطرب من المديح، لا بل لا يجدون حرجاً في تعميمه كدلالة على عظمة أقلامهم، والأمثلة عديدة من أمثال هؤلاء على امتداد عالمنا العربي.