جوهر الفن والأدب.. الكرامة والتعاطف وعمق التجربة الإنسانية

| أسامة الماجد

الفنان‭ ‬والأديب‭ ‬الأصيل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬كرامته،‭ ‬ويفضل‭ ‬البقاء‭ ‬متواضعًا،‭ ‬ينظر‭ ‬بابتسامة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬صعدوا‭ ‬إلى‭ ‬القمة‭ ‬ونسوا‭ ‬أهلهم‭ ‬وأصدقاءهم‭.‬‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬اعتزلوا‭ ‬السؤال،‭ ‬وأصبحوا‭ ‬جامدين،‭ ‬وقطعوا‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالكون،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يشغل‭ ‬بالهم‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬ذواتهم،‭ ‬مستسلمين‭ ‬لنغمة‭ ‬ديكتاتورية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬مهم‭ ‬غير‭ ‬حياتهم‭ ‬الخاصة‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬أديب‭ ‬أو‭ ‬فنان‭ ‬أن‭ ‬يسمو‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬القارئ‭ ‬والمنصفين‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬عاش‭ ‬مع‭ ‬الناس،‭ ‬وعرف‭ ‬مرارة‭ ‬الأسى،‭ ‬وأدرك‭ ‬حقيقة‭ ‬الحياة‭ ‬ومبادئها‭ ‬وأفكارها‭. ‬إن‭ ‬تحوّل‭ ‬الأسئلة‭ ‬في‭ ‬عقل‭ ‬المبدع‭ ‬إلى‭ ‬شلالات‭ ‬متدفقة،‭ ‬وحرقة‭ ‬الغليان‭ ‬التي‭ ‬تدفعه‭ ‬للبحث‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬الجوهر‭ ‬الإنساني‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬أعماله‭.‬

لقد‭ ‬تساءل‭ ‬الأديب‭ ‬العظيم‭ ‬تولستوي‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬نفسه‭ ‬“لماذا‭ ‬يصبح‭ ‬الفقير‭ ‬فقيرًا‭ ‬والغني‭ ‬غنيًا؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يتاح‭ ‬العلم‭ ‬والرزق‭ ‬والعمل‭ ‬لملايين‭ ‬المواطنين؟”،‭ ‬أسئلة‭ ‬عديدة‭ ‬جابت‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬وضميره،‭ ‬فدفعت‭ ‬الألم‭ ‬إلى‭ ‬قلبه‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬انبثق‭ ‬الينبوع‭ ‬المختوم‭ ‬وتدفق‭ ‬وتفجر‭ ‬تولستوي‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتبدلت‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬الدنيا‭. ‬رأى‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬كنزًا‭ ‬من‭ ‬الطاقات‭ ‬والمواهب،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬إنسان‭ ‬وآخر‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬البدلة‭ ‬التي‭ ‬يرتديها‭ ‬أحدهما‭ ‬والكساء‭ ‬الممزق‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬الآخر‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يرى‭ ‬غالبية‭ ‬المواطنين‭ ‬مجرد‭ ‬فقراء،‭ ‬بل‭ ‬راح‭ ‬يكشف‭ ‬عما‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬وشجن،‭ ‬ويصور‭ ‬ما‭ ‬خفي‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬نفوسهم‭ ‬من‭ ‬الشغف‭ ‬والقلق‭ ‬والاضطراب‭ ‬والأمل‭ ‬واليأس‭.‬

كذلك‭ ‬كان‭ ‬توفيق‭ ‬الحكيم‭ ‬يتتبع‭ ‬الفقراء‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬ويجلس‭ ‬معهم،‭ ‬معتبرًا‭ ‬إياهم‭ ‬مرآة‭ ‬صادقة‭ ‬لحياته‭ ‬بكل‭ ‬أبعادها‭. ‬كان‭ ‬يجد‭ ‬الأصالة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬الإبداع‭ ‬والجوانب‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المسلم‭.  ‬