منع التدخين في الأماكن العامة.. “مبادرة ولا أروع”

| زهير توفيقي

في خطوة جريئة وشجاعة، أعلنت وزيرة الصحة الفرنسية كاثرين فوتران، أن بلادها ستحظر التدخين في جميع الأماكن الخارجية التي قد يرتادها الأطفال، بدءًا من يوليو المقبل، إذ يشمل القرار الشواطئ، والحدائق، والمتنزهات العامة، ومحيط المدارس، ومحطات الحافلات، وحتى الأماكن الرياضية. ورغم أن القرار قد يُنظر إليه من البعض على أنه تقييد للحريات الفردية، إلا أنه في جوهره يعد حماية لحق الأطفال بل الناس جميعا في هواء نقي وحياة صحية. فوتران لخّصت المبدأ الأخلاقي والإنساني لهذا القرار بعبارة جديرة بأن تُعلّق على جدران كل مدرسة ومستشفى وحديقة، وهي “حرية التدخين يجب أن تنتهي عندما تبدأ حرية الأطفال في تنفس هواء نقي”، هذه العبارة تُعيد رسم حدود الحريات الشخصية بشكل عادل ومتوازن، فلا حرية مطلقة إن كانت تؤذي الآخرين، خصوصًا حين يكون هؤلاء الآخرون من الفئات الأكثر هشاشة “الأطفال”. ولطالما كانت السياسات الصحية الجادة مرتبطة بالجرأة في المواجهة مع عادات ضارة تُشرعنها العادة أو التساهل. ففي وقت ليس بعيدا، كان يُسمح بالتدخين في الطائرات! بل وفي أماكن مغلقة مثل المكاتب والمستشفيات! واليوم، لا تزال بلدان كثيرة، تسمح بالتدخين في المطاعم والمقاهي والحانات، بل وتتغاضى عن تدخين الآباء والأمهات في السيارات بينما يجلس أطفالهم في المقاعد الخلفية، وحتى في منازلهم!.

فرنسا لا تكتفي بهذا القرار فحسب، بل تربطه بغرامة واضحة تصل إلى 135 يورو، وهو مبلغ ليس قليلًا، لكنه لا يُقارن بكلفة التدخين على الصحة العامة والأنظمة الطبية، ولا بكلفة الأمراض التنفسية والسرطانات التي يُصاب بها حتى غير المدخنين بسبب “التدخين السلبي”. لا شك في أن القوانين وحدها لا تكفي، بل لابد من دعم هذه الخطوات بتوعية مجتمعية مستمرة، تبدأ من المنزل، والمدارس، مرورًا بوسائل الإعلام المختلفة، ولا تنتهي عند العيادات والمستشفيات. التثقيف بشأن مخاطر التدخين - ليس فقط على المدخن، بل على المحيطين به - يجب أن يكون ثقافة عامة، لا مناسبة موسمية ولا حملة مؤقتة. من وجهة نظري الشخصية، الحكومة ممثلة في وزارة الصحة قامت بوضع الكثير من القوانين المتعلقة بمنع التدخين في المجمعات، والفنادق، والمطاعم، والمقاهي الداخلية، وهو ما أعتبره خطوة رائعة وفي الاتجاه الصحيح، ولكن هناك الكثير من الأماكن التي يمكن منع التدخين فيها، ولست هنا في ذكر تفاصيلها. كما لابد أن تكون الحملات التوعوية بشكل مستمر طوال العام؛ لتحقيق الهدف المرجو. ناهيك عن تقاعس المدارس الحكومية والخاصة، وكذلك الجمعيات المهنية المتعلقة بالصحة والسلامة ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها! لا أنكر أن هناك تطورات كبيرة حدثت فيما يخص ثقافة التدخين في الأماكن العامة، لكننا نطمح في تحقيق المزيد والأفضل لمملكتنا الحبيبة لتكون مثالا يحتذى، ولا ضير إذا استنسخنا تجارب الآخرين الناجحة. في النهاية، قرار فرنسا هذا لا يجب أن يكون نهاية الطريق، بل بدايته. فلنطالب بأن يُعمم على باقي الدول، ولنجعل من احترام “حق التنفس” معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا ومجتمعيًا، لا تفاوض فيه. مستقبل أطفالنا يستحق أكثر من مجرد تردد أو مجاملة للمدخنين. فكفانا مجاملة للدخان، وكفانا صمتًا أمام اختناقات الأبرياء، وليكن الهواء حقًا مقدسًا للجميع، وكما يقولون “الوقاية خير من العلاج”.