تداعيات حرب غزة على الأمن الوطني العربي

| د. شمسان المناعي

 كانت لحرب غزة - التي بدأت بما يسمى بطوفان الأقصى، والتي نفذتها حركة حماس بتخطيط ودعم وتمويل من النظام الإيراني وبقية المليشيات المسلحة الموالية له في المنطقة، والتي سميت فيما بعد (محور المقاومة)، والتي بدأت في ليلة السابع من أكتوبر عام 2023 على إسرائيل - آثارها الخطيرة ليس على غزة فحسب التي تم تدميرها بالكامل، إنما شملت تداعياتها الأمن الوطني للدول العربية، خصوصا المجاورة لها، مثل مصر والأردن ولبنان وسوريا، وكذلك على دول الإقليم، ولا تزال تداعياتها وآثارها إلى يومنا هذا وإلى حين اتضاح الرؤية وفتح المجال لإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بشكل يحفظ أمن إسرائيل كما تدعي، حيث تمدد الاستيطان الإسرائيلي لبقية المدن الفلسطينية.  على المستوى الإقليمي تمخّضت حرب غزة انحسارًا للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، وشبه انهيار للأحزاب والأذرع التابعة له، ففي لبنان تم اغتيال قادة الصف الأول وبقية القادة من حزب الله الموالي لإيران، ما أدى لفقد السيطرة على نفوذه وتشكيل حكومة وانتخاب رئيس جديد لتحقيق الاستقلال الكامل للبنان، وفي سوريا سقط نظام الأسد ووصل نظام جديد غير موال لإيران. وكذلك بقية الأذرع التابعة في المنطقة، والحوثيون في اليمن، والمليشيات والفصائل المسلحة التابعة في العراق مثل الحشد الشعبي والنجباء وغيرهم، ووجد قادة النظام الإيراني أنفسهم أمام تحديات كبيرة تهدد ليس فقط مناطق توسعهم، إنما تهدد النظام في عقر داره ومشاريعهم السياسية والعسكرية.

ومن جانبها، أدركت الدول العربية أن الحاجة أصبحت ملحة لمشروع عربي لإيجاد حل جذري للقضية الفلسطينية التي تسببت في تشريد الشعب العربي الفلسطيني عن أرضه، وكذلك شكلت خطرا على الأمن العربي منذ الاحتلال الإسرائيلي في نكبة 1947م، الأمر الذي شغل الدول العربية لقعود من الزمن عن استكمال مسيرتها في التنمية والتطور ومواكبة النمو الحضاري مع بقية دول العالم، ولم يكن هناك إلا حل الدولتين، وهما الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة بجانب دولة إسرائيل، وتبنت الدول العربية جميعها في مؤتمر القمة العربي المبادرة العربية التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر القمة العربي الذي عقد في بيروت عام 2002م وبعد حرب غزة أوجدت السعودية وفرنسا هذا الحل، وذلك بعقد مؤتمر دولي تشترك فيه كل دول العالم ولا يزال هذا الحل في متابعة من السعودية وفرنسا. خلاصة القول أن الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد سكوت مدافع حرب غزة سيختلف عما قبله في أبعاد عديدة تخص توازنات القوة والضعف بين القوى الإقليمية واحتمالية نشوب حرب إقليمية موسعة وفقًا لأسوأ سيناريو محتمل، وهي كلها عوامل تؤثر في مسارات العلاقات العربية - الإسرائيلية إلى حد كبير. ويصبح الأمن الوطني العربي أمام مفترق طرق، فإما أن يتحقق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة في الضفة الغربية وغزة، وتصبح القدس عاصمة لهذه الدولة، في مقابل أن تعترف الدول العربية بإسرائيل كدولة وتقام علاقات سياسية ودبلوماسية بين الدول العربية وإسرائيل، أو أن تستمر الأوضاع كما هي عليه وتستمر الحروب والنزاعات بين الدول العربية وإسرائيل إلى ما شاء الله، وبذلك تزداد الأخطار والضغوطات إلى ما لا نهاية، ويصبح ذلك خطرا مستمرا على حاضر ومستقبل الأمن الوطني العربي.

كاتب وأكاديمي بحريني