فضاءات

أعيادنا.. وذكرى النكسة

| رضي السماك

لعلها‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تصادف‭ ‬ذكرى‭ ‬نكسة‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭ ‬مع‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬المبارك،‭ ‬وأيا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬فقد‭ ‬تعودنا‭ ‬طوال‭ ‬68‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬النكسة‭ ‬أن‭ ‬نجمد‭ ‬أفراحنا‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الرسمي‭ ‬والمؤسسي‭ ‬المدني‭ ‬خلال‭ ‬الأعياد‭ ‬التي‭ ‬تصادف‭ ‬ذكرى‭ ‬النكسة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬صحيحا،‭ ‬فالأفراح‭ ‬سُنة‭ ‬فطرية‭ ‬إنسانية‭ ‬طبيعية‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إحيائها‭ ‬لتجديد‭ ‬الطاقات‭ ‬ورفع‭ ‬المعنويات،‭ ‬حتى‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ومنهم‭ ‬أهلنا‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬لم‭ ‬يجمدوا‭ ‬أفراحهم‭ ‬حينما‭ ‬كان‭ ‬أهالي‭ ‬المدينة‭ ‬تحت‭ ‬الحصار‭ ‬قبل‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬يتبادلون‭ ‬التهاني‭ ‬ويأخذون‭ ‬أطفالهم‭ ‬إلى‭ ‬المتنزهات‭ ‬والبحر‭ ‬ويحضّرون‭ ‬أشهى‭ ‬الحلويات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المعروفة،‭ ‬وهذا‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬تعرض‭ ‬أهالي‭ ‬غزة‭ ‬لحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬الاحتلال‭ ‬يمعن‭ ‬فيها‭ ‬أمام‭ ‬تفرج‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬دروسا‭ ‬وعِبرا‭ ‬عديدة‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬هزائمنا،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬مازلنا‭ ‬ندفن‭ ‬رؤوسنا‭ ‬في‭ ‬الرمال‭ ‬ونخشى‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬مراجعات‭ ‬شجاعة‭ ‬تتيح‭ ‬استخلاص‭ ‬تلك‭ ‬العِبر‭ ‬والدروس،‭ ‬بذريعة‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يحن‭ ‬وقتها‭ ‬بعد‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يستفيد‭ ‬العدو‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

قبل‭ ‬نحو‭ ‬شهر‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬تابعت‭ ‬تسجيلا‭ ‬صوتيا‭ ‬نادرا‭ ‬لحديث‭ ‬دار‭ ‬بين‭ ‬الزعيم‭ ‬العربي‭ ‬والرئيس‭ ‬المصري‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬والقائد‭ ‬الليبي‭ ‬العقيد‭ ‬معمر‭ ‬القذافي،‭ ‬وكان‭ ‬الحديث‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬وبضعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الانقلاب‭ ‬الذي‭ ‬نفذه‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬1969‭ ‬وأطلق‭ ‬عليه‭ ‬“ثورة‭ ‬الفاتح”،‭ ‬حيث‭ ‬تبنى‭ ‬شعارات‭ ‬قومية‭ ‬ناصرية،‭ ‬ولقي‭ ‬تأييدا‭ ‬ودعما‭ ‬من‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬وكان‭ ‬القذافي‭ ‬حينئذ‭ ‬دون‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬حماسه‭ ‬الثوري،‭ ‬ويعتبر‭ ‬عبدالناصر‭ ‬قدوته‭ ‬النضالية‭ ‬العليا‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬التسجيل‭ ‬أبدى‭ ‬عبدالناصر‭ ‬شكواه‭ ‬المريرة‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬قيادات‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تشاركه‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬الواحد؛‭ ‬بسبب‭ ‬مزايداتها‭ ‬غير‭ ‬الواقعية‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬ولإثبات‭ ‬أنها‭ ‬أكثر‭ ‬ثورية‭ ‬ومبدئية‭ ‬منه‭.

حتى‭ ‬بالرغم‭ ‬مما‭ ‬تلقته‭ ‬مصر‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬هزيمة‭ ‬ماحقة‭ ‬قاصمة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬يونيو‭ ‬67‭. ‬وكان‭ ‬عبدالناصر‭ ‬قد‭ ‬اتخذ‭ ‬مواقف‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬مثل‭ ‬قبوله‭ ‬قرار‭ ‬242‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومبادرة‭ ‬روجرز،‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬تحضيره‭ ‬لحرب‭ ‬تحرير‭ ‬سيناء،‭ ‬ووجهت‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬القومية‭ (‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬اللتان‭ ‬يحكمهما‭ ‬جناحان‭ ‬لحزب‭ ‬البعث‭)‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بجميع‭ ‬فصائلها،‭ ‬سهامها‭ ‬ضد‭ ‬عبدالناصر‭ ‬ووصفت‭ ‬مواقفه‭ ‬الواقعية‭ ‬بالاستسلام‭. ‬وانتقد‭ ‬عبدالناصر‭ ‬شعار‭ ‬“تحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬النهر‭ ‬إلى‭ ‬البحر”‭ ‬الذي‭ ‬نادت‭ ‬به‭ ‬المنظمة‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق‭. ‬ومفاد‭ ‬قوله‭: ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬يريدون‭ ‬تحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬النهر‭ ‬فليتفضلوا‭ ‬ويباشروا‭ ‬مهمتهم‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬ردا‭ ‬من‭ ‬عبدالناصر‭ ‬على‭ ‬تساؤل‭ ‬للقذافي‭ ‬حول‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الشعارات‭ ‬الثورية‭. ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التسجيل‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬لغطا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العربية،‭ ‬حتى‭ ‬حاول‭ ‬البعض‭ ‬الغمز‭ ‬بأن‭ ‬توقيته‭ ‬مغرض‭ ‬لدفع‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭ ‬“محور‭ ‬المقاومة”‭ ‬للاستسلام،‭ ‬كان‭ ‬تسجيلا‭ ‬حقيقيا‭ ‬بثته‭ ‬قناة‭ ‬Nasser TV‭ ‬نقلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استعارته‭ ‬هذه‭ ‬القناة‭ ‬من‭ ‬تسجيلات‭ ‬تم‭ ‬إيداعها‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬الإسكندرية‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬عبدالناصر‭ - ‬كما‭ ‬كتبنا‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‭ - ‬كان‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬تورطه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬يونيو‭ ‬وجود‭ ‬زعامات‭ ‬لأنظمة‭ ‬قومية‭ ‬يخشى‭ ‬من‭ ‬مزاحمتها‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬تفرده‭ ‬بالزعامة‭ ‬القومية‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شعاراتها‭ ‬القومية‭ ‬الثورية‭ ‬البراقة،‭ ‬كالنظام‭ ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحكمه‭ ‬حينئذ‭ ‬جناح‭ ‬شديد‭ ‬التطرف‭ ‬يقوده‭ ‬صلاح‭ ‬جديد‭ ‬ونور‭ ‬الدين‭ ‬الأتاسي‭.‬

والحق‭ ‬فإن‭ ‬عبدالناصر‭ ‬نفسه‭ ‬قبل‭ ‬الهزيمة‭ ‬لم‭ ‬يمانع‭ ‬من‭ ‬بث‭ ‬البيانات‭ ‬المضللة‭ ‬في‭ ‬إذاعاته‭ ‬وصحافته،‭ ‬رغم‭ ‬علمه‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬حُسمت‭ ‬لصالح‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لتمكنها‭ ‬من‭ ‬ضرب‭ ‬سلاح‭ ‬الطيران‭ ‬وهو‭ ‬رابض‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬قواعده‭ ‬الجوية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬الكاتب‭ ‬والصحافي‭ ‬المقرب‭ ‬منه‭ ‬محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“حرب‭ ‬الثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬1967‭ ‬الانفجار”‭! ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عبدالناصر‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬صاحب‭ ‬شعار‭ ‬“لا‭ ‬صوت‭ ‬يعلو‭ ‬على‭ ‬صوت‭ ‬المعركة”‭ ‬لقمع‭ ‬أي‭ ‬أصوات‭ ‬شبابية‭ ‬أو‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬تبدي‭ ‬انتقادها‭ ‬لاستمرار‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬للهزيمة‭. ‬ولتكتمل‭ ‬الكوميديا‭ ‬السوداء‭ ‬فإن‭ ‬إبراهيم‭ ‬الزبيدي،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬مذيعي‭ ‬الإذاعة‭ ‬العراقية،‭ ‬يؤكد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“دولة‭ ‬الإذاعة‭.. ‬سيرة‭ ‬ومشاهدات‭ ‬1956‭ - ‬1974”‭ ‬أن‭ ‬مبعوثا‭ ‬من‭ ‬الاستخبارات‭ ‬العسكرية‭ ‬كان‭ ‬يداوم‭ ‬في‭ ‬استوديو‭ ‬الإذاعة‭ ‬أيام‭ ‬الحرب،‭ ‬ولا‭ ‬يتردد‭ ‬بأن‭ ‬يفبرك‭ ‬بيانات‭ ‬عسكرية‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬خياله‭ ‬بذريعة‭ ‬دعم‭ ‬المعنويات‭ ‬ويطلب‭ ‬منهم‭ ‬إذاعتها،‭ ‬ومنها‭ ‬بيان‭ ‬يفيد‭ ‬بأن‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬قصفت‭ ‬إحدى‭ ‬المدن‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬وأوقعت‭ ‬خسائر‭ ‬كذا‭ ‬وكذا،‭ ‬وعادت‭ ‬إلى‭ ‬قواعدها‭ ‬سالمة‭. ‬والطريف‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬ساعة‭ - ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬الزبيدي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬ص‭ ‬179‭) - ‬أذاعت‭ ‬“صوت‭ ‬العرب”‭ ‬البيان‭ ‬المفبرك‭ ‬نقلا‭ ‬عن‭ ‬راديو‭ ‬بغداد‭! ‬أي‭ ‬إذاعة‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬زايدت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أبداه‭ ‬عبدالناصر‭ ‬بعدئذ‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬واقعية‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬شريكا‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬إعلام‭ ‬صناعة‭ ‬الأكاذيب‭.‬

وللأسف‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬فلسطينيي‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬وحلفاءهم‭ ‬اللبنانيين،‭ ‬الذين‭ ‬زجوا‭ ‬وطنهم‭ ‬بكامله‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬انقساماته‭ ‬السياسية‭ ‬وأزماته‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬المحتدمة،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬سايرهم‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬التيارات‭ ‬الثورية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬إسلامية‭ ‬وقومية‭ ‬ويسارية،‭ ‬في‭ ‬وارد‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬مغامرة‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬إذ‭ ‬ستظل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المراجعات‭ ‬مغيبة‭ ‬مادام‭ ‬العقل‭ ‬السياسي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬غيبوبته‭ ‬المديدة‭ ‬مستمتعا‭ ‬بتجدد‭ ‬أحلامه‭ ‬الثورية‭ ‬خلالها‭ ‬ويمقت‭ ‬من‭ ‬يقض‭ ‬مضجعه‭ ‬منها‭.‬

كاتب بحريني