روح القانون

حادث سار.. دروس وعبر

| زهير توفيقي

في‭ ‬مشهد‭ ‬مأساوي‭ ‬هزّ‭ ‬الضمير‭ ‬الجمعي،‭ ‬خسرت‭ ‬إحدى‭ ‬الأسر‭ ‬البحرينية‭ ‬زوجين‭ ‬في‭ ‬ريعان‭ ‬الشباب،‭ ‬وأُصيب‭ ‬أطفالهما‭ ‬الثلاثة‭ ‬بجروح‭ ‬بليغة؛‭ ‬نتيجة‭ ‬حادث‭ ‬مروري‭ ‬مروّع‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬سار،‭ ‬حادث‭ ‬كشف‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬فداحة‭ ‬الاستهتار‭ ‬بقواعد‭ ‬المرور،‭ ‬وغياب‭ ‬الوعي‭ ‬بأبسط‭ ‬متطلبات‭ ‬السلامة،‭ ‬وأعاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬السؤال‭ ‬الحاضر‭ ‬الغائب‭: ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬تستمر‭ ‬الأرواح‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬ثمن‭ ‬طيش‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬الطريق؟

فقد‭ ‬أكدت‭ ‬التحقيقات‭ ‬الأولية‭ ‬أن‭ ‬الحادث‭ ‬وقع‭ ‬بسبب‭ ‬السرعة‭ ‬الزائدة‭ ‬وعدم‭ ‬الانتباه‭ ‬وغيرها،‭ ‬حيث‭ ‬دخل‭ ‬سائق‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس‭ ‬واصطدم‭ ‬مباشرة‭ ‬بسيارة‭ ‬العائلة‭ ‬المنكوبة‭. ‬حادث‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬تفاديه‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬الحذر،‭ ‬وبقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭. ‬فالحل‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬الشخصية‭ ‬يتلخص‭ ‬في‭ ‬تغليظ‭ ‬الغرامة‭ ‬وتشديد‭ ‬العقوبات،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬على‭ ‬تكثيف‭ ‬البرامج‭ ‬التوعوية‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬والشركات‭ ‬والبنوك،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬استغلال‭ ‬جميع‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تدشين‭ ‬حملة‭ ‬توعوية‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭ ‬تستهدف‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬ووافدين‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسمح‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬هذا‭ ‬الحادث‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬المميتة‭ ‬مرور‭ ‬الكرام‭.‬

كتبت‭ ‬سابقا‭ ‬مقالات‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬نفس‭ ‬الموضوع،‭ ‬وطالبت‭ ‬بالضرب‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬حديد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تسول‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬عدم‭ ‬احترام‭ ‬القوانين‭ ‬المرورية‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬لحماية‭ ‬السواق‭ ‬والمارة،‭ ‬فقد‭ ‬طفح‭ ‬الكيل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاستهتار‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬وغير‭ ‬المسؤول‭.

ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الأعداد‭ ‬الهائلة‭ ‬من‭ ‬المركبات‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬800‭ ‬ألف‭ ‬مركبة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والشوارع‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تستوعب‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬المركبات‭ ‬بشكل‭ ‬سنوي‭. ‬

لكن،‭ ‬ووسط‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المؤلم،‭ ‬برزت‭ ‬ثلاثة‭ ‬مواقف‭ ‬جديرة‭ ‬بالتوقف‭ ‬عندها‭. ‬

أولا،‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬لصاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬الذي‭ ‬وجّه‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بإعداد‭ ‬التشريعات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬المرورية،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تؤكد‭ ‬حرص‭ ‬القيادة‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين،‭ ‬وعدم‭ ‬التهاون‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعرض‭ ‬أرواح‭ ‬الناس‭ ‬للخطر‭.‬

ثانيا،‭ ‬اللفتة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الرفيعة‭ ‬التي‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬سموه‭ ‬شخصيا‭ ‬لعائلة‭ ‬الضحايا‭ ‬لتقديم‭ ‬واجب‭ ‬العزاء،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬قوية‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالتشريعات،‭ ‬بل‭ ‬تُعزّز‭ ‬التضامن‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬اللحظات‭. ‬ولاشك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬كان‭ ‬مفعولها‭ ‬كالسحر‭ ‬على‭ ‬أهل‭ ‬المتوفيين،‭ ‬لأنها‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬السراء‭ ‬والضراء‭ ‬وأن‭ ‬البحرينيين‭ ‬كلهم‭ ‬عائلة‭ ‬واحدة‭. ‬

وثالثا،‭ ‬موقف‭ ‬المدرستين‭ ‬اللتين‭ ‬ينتسب‭ ‬لهما‭ ‬الطفلان،‭ ‬فقد‭ ‬كانتا‭ ‬تحضران‭ ‬لإقامة‭ ‬حفل‭ ‬التخرج‭ ‬مثل‭ ‬باقي‭ ‬المدارس‭ ‬الحكومية،‭ ‬حيث‭ ‬قررت‭ ‬الإدارتان‭ ‬إلغاء‭ ‬الاحتفال‭ ‬تضامنًا‭ ‬مع‭ ‬الأسرة‭ ‬المكلومة‭. ‬قرار‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬رمزيًا،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬المجتمعية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حيّة‭. ‬فتحية‭ ‬تقدير‭ ‬لإدارة‭ ‬المدرستين‭ ‬لهذه‭ ‬اللفتة‭ ‬الإنسانية‭ ‬النبيلة‭.‬

تخيلوا‭ ‬معي،‭ ‬أثناء‭ ‬كتابتي‭ ‬المقال‭ ‬تلقيت‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬خبرا‭ ‬عاجلا‭ ‬عن‭ ‬حادث‭ ‬إصابة‭ ‬بليغة‭ ‬لسائق‭ ‬إحدى‭ ‬المركبات‭ (‬بحريني‭ ‬29‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬كان‭ ‬يسير‭ ‬عكس‭ ‬اتجاه‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬شارع‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬باتجاه‭ ‬جسر‭ ‬الملك‭ ‬فهد،‭ ‬حيث‭ ‬اصطدم‭ ‬بعدة‭ ‬مركبات؛‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إصابة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬والجهات‭ ‬المعنية‭ ‬باشرت‭ ‬إجراءاتها‭ ‬في‭ ‬الموقع‭! ‬حوادث‭ ‬غريبة‭ ‬وعجيبة‭ ‬على‭ ‬مجتمعنا‭ ‬البحريني‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬إلا‭ ‬أين‭ ‬نحن‭ ‬سائرون‭!‬

إن‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬تشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬مرورية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬البيت،‭ ‬وتترسخ‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬وتُصان‭ ‬بتطبيق‭ ‬حازم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭. ‬فسلامة‭ ‬الطريق‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية،‭ ‬تبدأ‭ ‬بالفرد،‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬القانون‭. ‬ربي‭ ‬احفظ‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مكروه‭.‬

 

كاتب وإعلامي بحريني