مُلتقطات

معادلةُ النّحر!

| د. جاسم المحاري

تحتل‭ ‬مكانة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬شريعة‭ ‬خاتمة‭ ‬الرسالات،‭ ‬كما‭ ‬برزت‭ ‬أهميتها‭ ‬في‭ ‬محافل‭ ‬دينية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬عدة‭. ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬تكون،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬السنن‭ ‬العبادية‭ ‬التي‭ ‬يتقرب‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬خالق‭ ‬الأكوان‭ ‬جلّ‭ ‬شأنه،‭ ‬يتعلمون‭ ‬فيها‭ ‬قيم‭ ‬العطاء‭ ‬والتضحية‭ ‬وتقوية‭ ‬روابط‭ ‬التحاب‭ ‬والتعاون‭ ‬والتضامن‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الإنفاق‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الجبّار‭ ‬ومنهاجه‭ ‬المتعال،‭ ‬والتي‭ - ‬كثيرا‭ ‬ما‭ - ‬تذّكر‭ ‬بأنّه‭ ‬المالك‭ ‬الحقيقي‭ ‬الأوحد‭ ‬لما‭ ‬يملكه‭ ‬العباد،‭ ‬وإنْ‭ ‬هم‭ ‬إلا‭ ‬مستخلفين‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يملكون،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إسهامها‭ ‬في‭ ‬كفاية‭ ‬الفقراء‭ ‬والمحتاجين‭ ‬وإدخال‭ ‬السرور‭ ‬على‭ ‬قلوبهم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إنعاشها‭ ‬قطاعات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬الزراعة‭ ‬والتجارة‭ ‬والمواصلات‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬تجلّت‭ ‬فيها‭ ‬معاني‭ ‬الطاعة‭ ‬والإيمان‭ ‬والنفع‭ ‬العام‭ ‬والتكافل‭ ‬الاجتماعي؛‭ ‬تقربا‭ ‬إليه‭ ‬سبحانه‭ ‬وإحياء‭ ‬لسنة‭ ‬نبيه‭.‬

“الأضحية”‭ ‬التي‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬للهجرة‭ ‬النبوية‭ ‬الشريفة،‭ ‬من‭ ‬العبادات‭ ‬العظيمة‭ ‬والطاعات‭ ‬الفضلى‭ ‬التي‭ ‬يتقرّب‭ ‬بها‭ ‬العبد‭ ‬للعليّ‭ ‬الأعلى‭ ‬بتقديم‭ ‬القرابين‭ ‬إليه‭ ‬وتعظيم‭ ‬شعائره،‭ ‬ورعاية‭ ‬أنعمه‭ ‬في‭ ‬أكلها‭ ‬وشربها‭ ‬وسلامتها؛‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬إلا‭ ‬امتثالا‭ ‬لسيدنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬الخليل‭ (‬ع‭) ‬لأمر‭ ‬ربّه‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬ذبحه‭ ‬ابنه‭ ‬إسماعيل‭ ‬في‭ ‬المنام‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬وحيٌ‭ ‬من‭ ‬ربّ‭ ‬العزّة‭ ‬والجلالة‭ ‬–‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬عرض‭ ‬على‭ ‬ابنه‭ ‬الأمر،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلّا‭ ‬الطاعة‭ ‬والاستسلام،‭ ‬فهمّ‭ ‬عندها‭ ‬سيدنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬الخليل‭ (‬ع‭) ‬بذبحه،‭ ‬فأكبّه‭ ‬على‭ ‬وجهه،‭ ‬ثمّ‭ ‬سمّى‭ ‬الابن‭ ‬وكبّر‭ ‬وتشهد،‭ ‬وبدأ‭ ‬سيدنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬الخليل‭ (‬ع‭) ‬بإمرار‭ ‬السكين‭ ‬على‭ ‬منحر‭ ‬إسماعيل،‭ ‬لكنّها‭ ‬بقدرة‭ ‬القادر‭ ‬العظيم‭ ‬فقدت‭ ‬تأثيرها،‭ ‬وفي‭ ‬الأثناء‭ ‬سمع‭ ‬سيدنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬الخليل‭ (‬ع‭) ‬مناديا‭ ‬يخبره‭ ‬بأنّه‭ ‬قد‭ ‬صدّق‭ ‬الرؤيا‭ ‬فافتداه‭ ‬بكبش‭ ‬عظيم‭.

 

نافلة‭: ‬

يأتي‭ ‬عيد‭ ‬القربان‭ ‬أو‭ ‬النّحر‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬يصادف‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬الحجة‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬شهر‭ ‬بالتقويم‭ ‬الهجري‭ ‬–‭ ‬بكثرة‭ ‬أعماله،‭ ‬وفق‭ ‬“معادلة”‭ ‬إراقة‭ ‬دماء‭ ‬القرابين‭ ‬لأهل‭ ‬الموسم‭ ‬حين‭ ‬يرمون‭ ‬الجمرات‭ ‬ويتحلّلون‭ ‬من‭ ‬الإحرام‭ ‬ويقضون‭ ‬التفث‭ (‬أي‭ ‬إزالة‭ ‬قذارة‭ ‬الشعر‭ ‬والأظفار‭) ‬ويوفون‭ ‬النذور‭ ‬ويطوفون‭ ‬بالبيت‭ ‬العتيق‭ ‬في‭ ‬كفة،‭ ‬وفي‭ ‬كفّة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬أهل‭ ‬الأمصار‭ ‬الذين‭ ‬يجتمعون‭ ‬على‭ ‬الذكر‭ ‬والصلاة‭ ‬وذبح‭ ‬الأضاحي؛‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الشكر‭ ‬له‭ ‬وحده‭ ‬وتذكيرا‭ ‬بتضحية‭ ‬سيدنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬الخليل‭ (‬ع‭) ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬هذه‭ ‬التضحية‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬الإحسان‭ ‬المتقن‭ ‬والتّشارك‭ ‬الخيّر،‭ ‬وبما‭ ‬تعزّزه‭ ‬من‭ ‬مفاهيم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتكافل‭ ‬المجتمعي‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المسلمين‭ ‬قاطبة‭.‬

اللهمّ‭ ‬إنّا‭ ‬نرغب‭ ‬إليك‭ ‬ونشهد‭ ‬بالربوبية‭ ‬لك‭ ‬مقرّين‭ ‬بأنّك‭ ‬ربّنا‭ ‬وإليك‭ ‬مردّنا،‭ ‬ابتدأتنا‭ ‬بنعمتك‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬نكون‭ ‬شيئا‭ ‬مذكورا،‭ ‬وخلقتنا‭ ‬من‭ ‬التراب‭ ‬ثمّ‭ ‬أسكنتنا‭ ‬الأصلاب‭ ‬آمنين‭ ‬لريب‭ ‬المنون‭ ‬واختلاف‭ ‬الدّهور‭ ‬والسنين‭. ‬وكلّ‭ ‬عام‭ ‬وأنتم‭ ‬بخير‭.‬

 

كاتب وأكاديمي بحريني