زهرة تطل على حد السكين

| سيد ضياء الموسوي

البعض يتهمني أنني لا أحمل قلمًا بل بندقية، وأُطلق الحروف على هيئة رصاص. البعض اتهمني أنني ألعب بالنار وأُجيد رسم لوحة دامية زيتية، ليس بريشة بل بسكين. وهناك من قال إني رسمت لهم حديقة حياة بعد أن كانوا يسيرون في مزرعة من السكاكين. هنا يتمرد شاب بأفكار جديدة تذكرني بأفكار عالم النفس إريك فروم عن الإنسان المتدين الذي يعبد “الصنم لا الإله” في كتابه الهروب من الحرية. نبرة السرد في حديث الشاب مستلهمة من أدب الاعتراف، لكنها محمّلة بانفجارات وجودية، بلغة تشبه “مطرقة على زجاج مقدس”، كما يقول نيتشه. شاب كتب لي كثيرًا عن تحولاته الثقافية الجذرية كأنها صرخة وجودية لنبي، واستمر يُرسل لي خارطة تغيّر أفكاره لمدة طويلة، إلى أن أرسل لي صورة له قبل وبعد، بعد تغيّر أفكاره من ثقافة الموت إلى ثقافة الحياة، وقال لي: سيد ضياء، هذه صورتي قبل أن أعرف كتاباتك قبل أربع سنوات، وهذه الصورة الآن 2025. هل ترى الفارق؟ فركت عيني وأنا أقارن بين الصورتين. الصورة الأولى بشكل إنسان في عمر الأربعين بملامح داعشي مكتئب، عيون صحراوية، والرموش كنبات حسك السعدان الجاف لوجه يفتقر لنضارة الحياة، بنظرات تبحث عن كفن، وكأن الزمن وقّع على المحيا اتفاقية بؤس لمدى الحياة. والصورة الحديثة ملامح شاب بعمر 25 عامًا، عاشق للحياة بعيون براقة كأضواء ديزني لاند، يشبه نجوم السينما بابتسامة رجل واثق يزرع مجدًّا بعد أن كان حفّار لَحد، وملابس تصرخ أناقة مولودة بقرية على حدود ميلانو. قلت له: أخبرني أكثر عن كل هذا التغيّر. كيف تحوّل المشهد؟ قال: والله يا سيد، عندما كنت في الهوس الديني المتزمت، كنت أسمع محاضرات فلان وفلان، وراح يُعدّد أسماءهم من البحرين وخارجها، وكنت أخرج من المحاضرات متوترًا ومرتعبًا من كل شيء، ولا أرى شيئًا جميلًا في الحياة، وأنا كشاب دوري أن أموت... وخُلقت والملائكة تطاردني بكرباج، وصوّروا لي كل شيء على أنه فخ واختبار. وكنت أرى الحياة عبارة عن صفقة مع الشيطان، والسماء جلّاد، وهناك “مخابرات دينية” على كتفي تسجّل عليّ أي فرحة وتحرّر محضرًا عن أي شيء أقوم به، وأني مهما فعلت من خير فأنا متهم، ومهما قدمت فلا شيء يرضي هؤلاء، فكنت أقول في نفسي: ما هذه الأيديولوجية التي مهما قدمت لها لا شيء يرضيها؟ فعرفت أن ذلك منهم لا من السماء. دخلت في اكتئاب. كنت أمشي في شارع مليء بشظايا وزجاج من كثرة معارك الأحزاب وانشطارات التوجهات، فالمناسبة مناسبات، وهذا الحزب مختلف مع هذا الحزب ويسقطه، فلا وقت للاستمتاع، فأنا شاب خُلقت لأكون عبدًا في مزرعة أو حطبة في محرقة. السياسة كانت أشبه بطنجرة بخار ونحن الخضار الذي يُؤكل، والانقسامات الاجتماعية في القرية لا تقلّ حرارة عن تنور يحرق أرغفته كل عشر سنين... يتغير الخبّاز والتنور وتبقى ذات النار، ويمتزج الرماد القديم بالرماد الجديد مع تكرار ذات الأخطاء وذات التجارب وذات النهايات. أما وضعنا المادي كأسرةٍ، فنحن منثورون على أرصفة بلا أحذية وبلا أرغفة. فقلت لا بد أن أدرس وأتعلّم. ورجال الدين يمتصّون ما بقي منا من حياة بلسع ظهورنا بسياط “هذا حرام، وهذا حرام، وذاك حرام” في اضطراب وسواس قهري قاتل. حقيقة يا سيد، لأول مرة سمعت منك مصطلحات: “ثقافة حياة”، “كوكتيل حياة”، “أناقة، رياضة، سفر”، “استبدلوا شهادة الوفاة بالشهادة الجامعية”، “لا تسقطوا في المحارق السياسية”، “اقرأوا، اكتشفوا الحضارة، حزب الإنسان، العقيدة الإنسانية، الوطنية، السياسة ليست عنادًا”، إلخ... هل تتذكر، سيد؟  اتصلت بك ذلك الوقت هاتفيًّا، قلت لك: سيد، أنا أعاني من مرض نفسي، ما الحل؟ قلت لي: راجع طبيبًا نفسيًا مختصًا، وأيضًا عليك بكوكتيل الحياة، وأعطيتني أفكارًا تنويرية. قمت بالاثنين، تعالجت عند الطبيب. غيّرت أفكاري، ومنهج حياتي، وتابعت كل كتاباتك وفيديوهاتك وتبدّلت كل حياتي. هُمّشت. حوربت. قوطعت من أقرب الناس لي فقط لتغير ثقافتي، رغم أني أُصلّي وأصوم وأعيش القيم، لكني اكتشفت أنهم يريدونني إما أن أكون عبدًا في معسكر اللاوعي، وثقافة الموت، وأرقص مع الخرافة، أو أكون منبوذًا. سيد، أكملت جامعتي، عملت عملًا خاصًّا ونجحت بمدخول كبير. بنيت منزلًا جميلًا. تزوجت وعندي أولاد. علمت زوجتي ثقافة الحياة... علاقتنا كبرت وتعمّقت عندما انفتحنا على الحياة بثقافة وسطية. تغيّرت حياتنا ثقافة وحتى أناقة. أحب زوجتي وتحبني، ونسافر معًا، وأقرأ كتبًا ثقافية متنوعة. سيد، ذات يوم ذهبت إلى حفلة موسيقية في البحرين، خرجت وأنا أسبح في بحر السعادة، والفرح يراقصني. كنت أسأل نفسي، أين أنا من كل ذلك؟ أين كنت وأين أصبحت؟ كل شيء تغيّر في حياتي، فكّكت الألغام، زرعت حقلًا من القمح والزهر والياقوت. حتى علاقتي مع الله تغيّرت. أُصلّي بسكون، لا أشعر بذاك الخوف والرعب، بل أشعر بحب الله يملأ داخلي. أحب الإنسان وأحترم الأديان، وموالٍ لوطني، لا أشعر بوصاية أحد عليّ باسم السماء، ولا أنني مهدَّد أو أنتظر صكّ غفران من أحد. وأكرر عبارتك: “انشغل بالجمال، ستتلهى عن القبح”. أصبحت إنسانًا ذا عقل، أُحلّل الأمور وأنتقد، ولا أقبل بأي كلام أو شعار. سيد، ما أجمل أن ينزع الإنسان الألغام من عقله. أنا الآن تفكيري تغيّر. حياتي تغيّرت، شكلي تغيّر، شعوري تغيّر. أستمتع بأبسط الأمور، وأتذوق كل شيء في الحياة، أنا وزوجتي وأولادي. بعد نقاش طويل، قال لي: لأكون واضحًا، سأرسل لك صورتين قبل وبعد. صورة لي أيام ثقافة الموت، والأخرى أيام ثقافة الحياة. الصورة أيام التطرّف التأدلُج، بجد، كانت صورة كهفيّة، كأنه داعشي هارب من الموصل في صندوق مفخخ، والثانية صورة أشبه بنجم هوليودي بملامح عربية. نعم، هكذا يتغيّر الإنسان عندما يتغيّر التفكير، وتُفتح نوافذ العقل، ويبدأ أوكسجين الأفكار التنويرية بالدخول إلى العقل، هنا تتساقط أحجار الأيديولوجيات، وأتربة الخرافة، ورماد التخلّف، وتتكسر أبنية الأحزاب، وأفكارها المتجمّدة كسمك مثلّج في صندوق قديم... هنا لحظة التحوّل الوجودي، لحظة الانعطاف الأبدي، لحظة الولادة الحقيقية، لحظة انعتاق الذات من الآخر وعودة الروح إلى ذاتها الحقيقية. هنا تبدأ وردة تخرج من على حدّ السكين، تطلّ بعينيها، ويدها تنفض غبار الخراب، وتمسح الرماد من على وجهها، لتنظر من ثقب آخر جدار في طريقه للسقوط، تفتح عينيها على منظر الحضارة والإنسانية وجمال الوجود، وتكتشف أجمل لوحة إلهية خلقها الله عز وجل، لترى الحياة شاطئًا رمليًا جميلًا، على ترابه يلعب طفل في الرمل يبني قلعة، وتلمح ابتسامة الشمس من بعيد... هناك يلوح شراعُ سفينة من بعيد مشيرًا إلى جمال الحياة، أن الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش، فالحياة قيم كإنارةٍ قلعة رومانية، بثقافة كبستان، ورياضة كحضن أفق، وحضارة كنجوم كوكب، وأناقة كصرخة لوحة فان غوغ، وسفرًا كسفينة كروز، وتأملًا كبوذي زاهد، وطعامًا طيبًا يشبه وليمة في قصر عثماني، وحبًا صادقًا كحب الأميرة ديانا... هنا يتحوّل الإنسان من الموت إلى الحياة. لقد تحوّل هذا الشاب من “البيئة السائلة” كما يسميها زيغمونت باومان — حيث الفرد يذوب في أيديولوجيا الحزب أو الجماعة أو القبيلة — إلى الانفتاح على الحضارة، وإلى نفسٍ متمردة... إلى تحوّل وجودي كتولّد جديد، فإن التحوّل من ثقافة الموت إلى ثقافة الحياة ليس مجرد إصلاح نفسي، بل كما وصفه جان بول سارتر هو ولادة جديدة في وعي العالم. شاب انتفض من القبر إلى القمر، فضح الأرض فباركته السماء، انتفض ليفضح كيف تتحوّل السلطة الدينية إلى “مخابرات سماوية”، تراقب الضمير وتشلّ الإرادة. وهو ما يسميه بيير بورديو بـ”العنف الرمزي باسم المقدّس”. هكذا بدأ الشباب يتمرّد على القبر ليمد يده للشمس نهارًا ويعانق القمر ليلًا. هنا وحده المشهد عن ألف عنوان: هنا تطلّ زهرة على حدّ السكين.