حتى لا ننسى تلك الأيام

| عبدالنبي الشعلة

تلك الأيام التي عشناها معًا خلال جائحة كورونا، حين كان الخوف يعمّ العالم، وكانت التحديات تعصف بمجتمعاتنا، وفي خضم الذكريات نعود إلى تلك التجربة الجماعية التي خضناها، لأشارككم جزءا من العمل الذي أعده للنشر قريبًا بعنوان “تحت حصار كورونا” وهو كتاب يوثق تفاصيل تلك المرحلة الدقيقة في حياة البحرين، والجهود التي بذلتها القيادة والمجتمع معًا لعبور المحنة. أقدم لكم في هذا المقال جزءًا من ذلك الكتاب؛ الجزء جاء تحت عنوان “البحرين وكورونا”، كتوثيق للأحداث التي لا ينبغي أن ننساها، ولعلها تكون مصدر فخر وإلهام للأجيال القادمة، وتذكيرًا بقيم التكاتف والمسؤولية والإنسانية التي أظهرتها البحرين خلال تلك الأيام الصعبة. فبينما كان العالم يترنح تحت وطأة جائحة كورونا، غارقًا في أزمات غير مسبوقة، وبينما كانت الأنظمة الصحية تنهار في دول كبرى، وتتصاعد أرقام الإصابات والوفيات في مشهد مخيف، كانت مملكة البحرين تسير عكس التيار، بثبات وثقة وخطوات محسوبة. لم يكن الأمر صدفة، بل كان ثمرة رؤية استباقية وقرارات سريعة حاسمة، اتخذت بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، الذي شكّل، في مرحلة مبكرة، “فريق البحرين الوطني لمكافحة كورونا”، معلنا بدء معركة الدفاع عن صحة المجتمع، مستعينًا بأدوات العصر، وعلى رأسها تطبيق “مجتمع واعي”، الذي أصبح عينًا ساهرة ترصد وتتابع وتحصي الحالات، لضمان تتبع سلسلة العدوى وكسرها في مهدها. ما ميّز البحرين لم يكن فقط الجانب الطبي والإجرائي، بل الرسائل الإنسانية العميقة التي وجهتها الدولة منذ اللحظة الأولى: * أن العلاج والفحص واللقاح حق مكفول ومجاني لكل إنسان يعيش على أرض البحرين، بلا تفرقة بين مواطن أو مقيم. * أن صحة الفرد مسؤولية الدولة، مهما كانت الإمكانات محدودة أو التحديات جسيمة. * أن مواجهة الجائحة واجب جماعي، تتشارك فيه الحكومة والشعب؛ مؤسسات وأفرادا. تُرجمت هذه المبادئ إلى أفعال، فقدمت الحكومة دعما استثنائيا للقطاع الصحي، وخصصت 650 مليون دولار أميركي إضافية للرعاية الصحية، وشملت هذه الميزانية توفير اللقاحات، وتأمين العلاجات، وتعزيز البنية التحتية للمستشفيات والمراكز الصحية. وفي موازاة ذلك، أطلقت الحكومة حزمة مالية وتنموية تجاوزت 11.4 مليار دولار، لدعم الاقتصاد الوطني، وحماية الوظائف، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، شملت دعم رواتب المواطنين في القطاع الخاص عبر صندوق التعطل، وتأجيل أقساط القروض للأفراد والشركات، وإعفاءات من رسوم الخدمات لبعض القطاعات المتضررة. رغم هذه الجهود، لم تكن التحديات قليلة، إذ بلغ عجز الميزانية العامة للدولة 13 % من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020، وهو رقم ثقيل يعكس حجم الأزمة، لكنه كان ثمنًا مقبولًا لضمان سلامة المواطنين واستقرار المجتمع. وفي مشهد يعكس التكافل المجتمعي، أُطلقت حملة “فينا خير”، التي جمعت أكثر من 21 مليون دينار بحريني لدعم جهود مكافحة الجائحة، وهو تعبير صادق عن روح البحرين، التي لطالما تميزت بالتعاون والالتفاف حول الوطن في أوقات المحن. تعود القصة إلى أول حالة سجلتها البحرين: سائق باص مدرسي عاد من الخارج يحمل الفيروس دون علمه، اعتقد أنها “لطشة برد” عابرة، لكنه سرعان ما نقل العدوى لعدد من التلاميذ، لينكشف الأمر وتتحرك السلطات بسرعة، ويتم عزل الحالات، وفرض الإجراءات الوقائية الصارمة، وإطلاق حملة وطنية شاملة لمكافحة الجائحة، حيث أصبح تطبيق “مجتمع واعي” أداة إلزامية، لا يُسمح لأي مصاب بمغادرة منزله قبل التأكد من شفائه الكامل. كانت البحرين تخوض معركة يومية، لكنها خاضتها بتوازن بين حماية الصحة العامة وضمان استمرار الحياة. لم نشهد في البحرين ما رأيناه في دول أخرى: لا حالات هلع، ولا انفلات أمني، ولا مشاهد فوضى في الشوارع. كان هناك التزام مجتمعي عميق، ووعي شعبي نادر، وتعاون كامل بين المواطنين والمقيمين، وبين مؤسسات الدولة كافة، الصحية منها والأمنية والخدمية. هذا النجاح لم يكن صدفة، بل نتيجة لتخطيط علمي، وإدارة حكيمة، وقيادة واعية، تتابع بيقظة كل التفاصيل من أعلى المستويات، مع قناعة راسخة بأن البحرين ستتجاوز التحديات بفضل عزيمة أبنائها، وتكاتف مؤسساتها، ووعي شعبها. إن تجربة البحرين مع جائحة كورونا لم تكن مجرد مواجهة صحية طارئة، بل كانت درسًا وطنيًا في التخطيط، والتنظيم، والتضامن. فقد أثبتت البحرين أن الدول ليست بحجم مساحتها أو عدد سكانها، بل بحجم إرادتها، ووعي شعبها، وقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص. واليوم، وبعدما تجاوزت دول العالم مرحلة ما بعد الجائحة، تبرز البحرين كأنموذج يحتذى به في إدارة الأزمات، والتخطيط للمستقبل، حيث تبقى التجربة شاهدة على أن التكافل والقيادة الواعية والتخطيط العلمي هي السلاح الأقوى في مواجهة الأزمات. ويبقى الأمل معقودًا على البناء على هذه التجربة، للاستمرار في تعزيز منظومة الصحة العامة، وتقوية الاقتصاد الوطني، وتحصين المجتمع من أي هزات مستقبلية، حتى تبقى البحرين، دائمًا، في الطليعة، كما أرادها قادتها وشعبها.