خطوة في الاتجاه الصحيح
| زهير توفيقي
في خطوة لافتة وجريئة، بدأت تركيا مؤخرًا فرض غرامة مالية على الركاب الذين يسارعون إلى فك أحزمة الأمان أو مغادرة مقاعدهم فور هبوط الطائرة، وتحديدًا قبل أن تصدر التعليمات الرسمية بالنزول من قبل الطاقم الجوي. إن هذا الإجراء الذي تبلغ غرامته 2603 ليرات تركية (نحو 67 دولارًا أميركيًّا) ليس مجرد تصعيد إداري فحسب، بل هو رسالة واضحة بأن السلامة والأمن والانضباط فوق كل اعتبار. لسنوات، ظلت مشاهد الفوضى بعد هبوط الطائرات تتكرر على مرأى ومسمع الجميع، الأمر الذي نتج عنه استياء شديد من قبل المسافرين، فالركاب يتسابقون إلى الممرات قبل أن تتوقف الطائرة تمامًا، وأحزمة تُفك قبل أوانها، وحقائب تُسحب من الخزائن العلوية قبل أن يُفتح باب الطائرة، هذه العادات التي باتت شائعة في كثير من الرحلات لا تعكس فقط ضعف الثقافة العامة في احترام تعليمات السلامة، بل تهدد أيضًا حياة الركاب والطاقم، خصوصًا في حالات الطوارئ غير المتوقعة، فالكثير من المسافرين يفتقدون أبسط قوانين السلامة بسبب البيئة التي يعيشونها وكذلك افتقادهم التعليم. اللائحة الجديدة في تركيا تفرض الانضباط ليس عن طريق التوعية فحسب، بل أيضًا عبر آلية رادعة تُحمّل الراكب غير الملتزم تكلفة مخالفته، وتُلزم شركات الطيران بالتنبيه المستمر والتطبيق الصارم. وإذا لم تلتزم هذه الشركات بدورها، فهي بدورها ستكون عرضة للعقوبات من هيئة الطيران المدني.
صحيفة “تلغراف” البريطانية أشارت إلى أن هذه اللائحة الجديدة قد تلهم شركات طيران أخرى باتباع نفس التوجه. من هذا المنطلق، فإن هذا القرار لا يستحق فقط الثناء، بل أن يُعتمد نموذجًا عالميًّا. إذ إن التجربة التركية تعكس تحولًا ثقافيًّا في مفهوم السلامة الجوية، من التوجيه اللفظي غير الملزم، إلى فرض سلوك جماعي منضبط تحكمه القواعد، لا الأهواء. شخصيًّا أحرص أن أكون آخر مسافر عند الخروج من الطائرة، وذلك بسبب الفوضى التي يحدثها المسافرون من غير داع، ما قد يسبب وقوع أي حادث عند إنزال حقائب اليد من الخزائن العلوية، وكذلك تحاشي التدافع بالمسافرين الذي لا ينصح به. إن الدعوة اليوم موجهة إلى جميع سلطات الطيران المدني حول العالم لاعتماد إجراءات مماثلة، فالمسألة ليست محلية أو شكلية، بل تتعلق بجوهر تجربة السفر، سلامة الأرواح واحترام النظام. وإذا كانت شركات الطيران تتسابق لتوفير الرفاهية على الأرض وفي الجو، فإن أدنى ما يجب ضمانه هو أن تكون الرحلة آمنة منذ لحظة الإقلاع، وحتى نزول آخر راكب، ولكن بترتيب الصفوف، لا بالعجلة والفوضى. قال تعالى “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”.
كاتب وإعلامي بحريني