يوسف حيدر الذي غادرنا بصمت

| رضي السماك

 عند غروب العام الماضي، وقبيل استقبالنا العام “الميلادي” الجديد (الحالي) بأيام معدودة، رحل عن عالمنا فجأة وبصمت الصديق والمواطن البحريني المسيحي الفذ يوسف حيدر أكبر حيدر الذي عشق وطنه البحرين عشقًا جمًّا بتعدديته ونسيجه الاجتماعي المعروف، وهو الذي وُلد وتربى في ظله بهذه الصفة. وظل المرحوم حيدر يفتخر دائمًا في أحاديثه الخاصة واللقاءات الإعلامية التي تُجرى معه بأنه وُلد في حي “العوضية” شرقي المنامة المعروف بتعدديته الثقافية والدينية والمجاور تمامًا لأحياء من الطائفتين الكريمتين، كحورة الحدادة وحي الفاضل، وقد وُلد فقيدنا الراحل عام 1931 ورحل عن دنيانا عام 2024. بدأ تعليمه الأولي في مستشفى الإرسالية الأمريكية، ثم التحق بالمدرسة الغربية (أبو بكر الصديق حاليًّا) خلال الفترة 1941 - 1943، ثم التحق بالمدرسة الشرقية القريبة من المخبز الشرقي بقلب سوق العاصمة المنامة. وفي عام 1946 سافر إلى فلسطين، بيد أن اندلاع الحرب الإسرائيلية - العربية الأولى التي انتهت بالنكبة حال دون إكمال دراسته، ما اضطره للعودة إلى وطنه البحرين. لكن أنعم الله عليه لاحقًا بزواجه في عام 1964 من الأستاذة والمربية الفاضلة الفلسطينية ليلى الياس أبو رمان، وقد التحقت كأستاذة مُدرسة ثم عُينت كمديرة في مدرسة الإرسالية الأمريكية التي تحول اسمها لاحقًا إلى “مدرسة الرجاء”، وبقي المبنى نفسه مجاورًا لمستشفى الإرسالية، والتي كانت تُعد من أرقى وأرفع مدارس العاصمة، حيث تخرج على يدها العديد من علية القوم، والتي ما فتئت تتذكرهم في حوار أجريته معها، رغم ضعف بصرها وسمعها، وكان هذا قبل وفاة زوجها بنحو عام، ومنهم الزميل رئيس التحرير الأستاذ مؤنس المردي الذي حملتني تحياتها وسلامها إليه وقد أبلغته بذلك، وقد كان خجلًا شديد الامتنان لمبادرتها. 

كما أطلعتني في ذلك الحوار القصير على صورة تجمعها وزميلات لها في المرحلة الجامعية مع الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر في أواخر الخمسينيات. وكانت ثمرة زواجها من “أبو باسل” أن منّ الله عليهما بـ: علا وباسل وأروى، كما رُزقا بأربعة أحفاد: رامي ودينا وليال وبيان، وهو الذي وُلد يتيم الأب، إذ تُوفي عنه والده وهو مازال جنينًا في بطن أمه، فيما كان لديه شقيق وشقيقة تكبره. ومن ذكرياته التي لا ينساها - حسب أحاديثه معي في منزله بالرفاع - أنه كان من زملائه في المرحلة الابتدائية ثلاث شخصيات معروفة: رجل الأعمال المعروف إبراهيم المؤيد، والأستاذ راشد المحري والأستاذ أحمد كمال، مدير المطبوعات الأسبق ثم رئيس أخبار الخليج، والأستاذ حسن الجشي والأستاذ رسول الجشي النائب في المجلس الوطني السابق (برلمان 1973) وصاحب صيدلية الجشي. ومن نوادر فقيدنا الطريفة في حوار أجرته معه الزميلة “الأيام” في عددها الصادر في 25 أكتوبر 2013 بأنه كان من هواياته جمع الطوابع في طفولته، وكان لدى الأستاذ الجشي في عام 1946 مجموعة من الطوابع يريد أن يبيعها بعشر روبيات، ولم يكن بحوزة فقيدنا الذي نشأ عصاميًّا سوى ثماني روبيات، فباعه الأستاذ الجشي تلك المجموعة شريطة أن يدفع لاحقًا الروبيتين، وأنه ظل منذ ذلك العام إلى وقت إجراء حوار “الأيام” معه يطالبه بالروبيتين. كما يروي “أبو باسل” لي أن الأستاذ المرحوم رضي الموسوي (والد الدكتور فيصل الموسوي) كان مدرسًا لمادة الدين في مدرسته، وكان يخيّرهم هو وبعض زملائه المسيحيين واليهود بين حضور الحصة أو الانصراف، وكم يأسف اليوم لتحبيذه الانصراف الذي لم يكن في ذلك الوقت وهو في عمر الصبى سوى الرغبة في تزجية الوقت في لعبة كرة القدم خارج الفصل. ومثلما كان محُبًّا لوطنه البحرين بتعدديتها أحبه البحرينيون على اختلاف تعددياتهم. وعلى سبيل المثال يروي بأنه ترأس نادي البحرين للتنس ستة أعوام بالتزكية. وكان يُلقب بين إخوته البحرينيين بـ “أبو التنس” لعشقه الجم لهذه اللعبة، وكان من مؤسسي نادي البحرين للتنس الأرضي وكذلك الاتحاد البحريني للتنس، وساهم في وضع قانونه الأساس، كما كان أول حكم دولي بحريني في هذه اللعبة. وكان أن أُطلق عليه “شيخ الطائفة المسيحية في البحرين” لما تربطه من علاقات أخوية وثيقة مع كنائس البحرين بمختلف مذاهبها. وكان قد التحق بشركة بابكو حيث كان مرتبه الشهري 120 روبية وركب أتوبيسها الشهير محليًّا بـ “سالم خطر”. كما عمل في دائرة الأشغال العامة في الفترة بين أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات بمرتب قدره 200 روبية. وغيرها من الشركات الأخرى، كشركة “سي ويليام برايس” كما عمل في مستشفى الإرسالية الأميركية. ومنذ أن تعرفت على أبي باسل قبل نحو ربع قرن من الآن ظل أبو باسل حريصًا مثابرًا على الاتصال بي في الأعياد الإسلامية للتهنئة على نحو يخجلني لتقصيري أحيانًا في مبادلته تلك التهنئات بالمثل في المناسبات المسيحية. والحق فلقد تعرفت على المرحوم يوسف حيدر بفضل واحد من أكثر الأعمال التي أعتز بها خلال فترة عملي في قسم العلاقات الدولية بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية الذي تشرفت بأن نلت ثقة سعادة وزير العمل والشؤون الاجتماعية الأسبق الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة الذي عينني رئيسًا له عام 1980. فبعد أن كلف جلالة الملك المعظم غداة إعلان مشروعه الإصلاحي وزير العمل والشؤون الاجتماعية الأسبق الأستاذ عبد النبي الشعلة بالتحضير لمؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي الذي ستستضيفه المملكة كنت والفقيد الراحل “أبوباسل” ضمن اللجنة التحضيرية التي عينها الوزير بالإضافة لأخوين مسيحيين آخرين. وأتذكر أنه كانت اللجنة برئاسة الوزير الشعلة الذي بذل للحق كل ما بوسعه للتحضير الفاعل لانعقاد المؤتمر. وكانت اللجنة تجتمع كل أسبوعين تقريبًا على امتداد ما يقرب من تسعة شهور سبقت موعد المؤتمر الذي احتضنته المملكة في أواخر أكتوبر من عام 2002. وبعد أن تكللت أعمال المؤتمر بالنجاح توثقت علاقتي بالمرحوم أبي باسل من خلال الاتصالات التليفونية أو مروره العابر على مكتبي بالوزارة أو مروري عليه في المستشفى الأميركي، وكان هذا قبل ظهور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي في مطلع العقد الثاني من الألفية، حيث توثقت علاقتنا بعدئذ بشكل أكبر. وعندما التحقت بـ “البلاد” وجدته حريصًا على شرائها من سوبر ماركت قريب من منزله في الرفاع. وذات مرة أبدى لي أسفه لانقطاع وجودها في تلك البرادات، فرتبت له اشتراكًا مع إحدى الزميلات في قسم التوزيع في الصحيفة لتصله إلى منزله. وإلى وقت قريب قبيل وفاته بعشرة أيام لم يشك لي قط عن حالته الصحية قائلًا: الحمد لله على كل حال. رحم الله “أبوباسل” فقد كان بحرينيًّا حتى النخاع في حُب تراب البحرين وحُب الخير والبساطة، ونموذجًا فذًّا في زمن جيل الطيبين.

كاتب بحريني